نحو إعادة تأصيل مفهوم الدولة الوطنية،، بقلم : عفاف عمورة

2021-08-13T00:55:46+02:00
مقالات وآراء
13 أغسطس 2021آخر تحديث : الجمعة 13 أغسطس 2021 - 12:55 صباحًا
نحو إعادة تأصيل مفهوم الدولة الوطنية،، بقلم : عفاف عمورة

ما زلنا في وطننا العربي نعاني استطالات مشكلة الدولة الوطنية التي ترسخت في منطقتنا العربية ، لأنّ الدولة الوطنية لها شكل سياسي ظاهر مكتمل، ودساتير مكتوبة معتمدة ،وسلطات حاكمة . لكنها عملياً لا تمتلك أساسيات الدول الوطنية التي أقيمت عليها هذه الدولة في العالم الحديث والمعاصر. إنها سلطة أمر واقع مفروض، مؤسساتها السياسية والقانونية والإدارية مجرد حبر على ورق، وهي أيضاً على الضد من إرادة شعوبها ومواطنيها وما يحتاجونه من حرية الوجود ، وحرية الرأي والتعبير، والمشاركة الفعلية بالسلطة . ومصدر السلطة فيها عسكري أو عشائري أو طائفي، إضافة إلى أن لهذه الدول باعاً طويلاً في ممارسة السياسة بكل ألوانها تجاه شعوبها، إما عن طريق السياسة الاستعمارية التقليدية التي ترفع شعار (فرّق تسُد)، وإما عن طريق الاستقواء الأمني والعسكري الذي يمارس أبشع عمليات الإجبار والقهر والضغط على مواطنيه ، أو التقسيم الأيديولوجي للمجال السياسي للدولة (الوطنية)، وإما عبر كل تلك الطرق مجتمعةً.
إنَّ مفهوم (الدولة الوطنية) في منطقتنا العربية لا يزال سيئ الصيت، لأن دول المنطقة ظهرت في تاريخنا الحديث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، على إثر تقسيم المنطقة من قبل الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى المتصارعة في ذلك الحين، وجاءت تلك الدول على الضد من رغبة توجهات المواطنين والمفكرين الوطنيين في إحياء وبناء دولة المواطنة . يضاف إلى ذلك أن هذه الدول التي أطلقت على نفسها اسم الدولة الوطنية ، بعد برهة من نشأتها، بعد الاستقلال، سرعان ما استولت عليها سلطات عسكرية وعشائرية وطائفية ضيقة ، لم تحاول بناء دولة وطنية حديثة تستمد شرعيتها من الشعب والمصالح العليا للوطن والمواطن ، وحرّمت الحريات على شعوبها ، وضربت بمبادئ المساواة الاجتماعية والعدالة الإنسانية عرض الحائط. أي إن هذه الدولة الوطنية لم تحاول أن تبني دولة وطنية حقيقية، إذا جاز التعبير.الجدير بالذكر أنَّ هناك العديد من الدول التي قدمت نفسها في بعض الأقاليم الجغرافية العربية ، ولا سيما في المغرب العربي وبلاد الشام ومصر على أنها كيان مؤقت ، ريثما يتم التوافق وإجراء كامل الترتيبات لبناء الدولة القومية العربية المنشودة . وما لبثت أيضاً تلك الدول القومية إلا أن فرزت نفسها كدولة مركز والدول الأخرى تم اعتبارها دولاً هامشية . وصار كل زعيم عربي هو زعيم الأمة العربية كلها . هذا بمجمله يعني أنَّ الشعوب ومعها السلطات أيضاً لم تكن مقتنعة بهذه الدولة ( الدولة الوطنية ) أو ( الدولة القومية ) ، ولكن لكل طرف حساباته الخاصة وأهدافه ومصالحه.
نعم هناك جولات كبيرة جداً طالت دول المشرق العربي ، وفي مقدمتها ما كان يُسمى ب(الدولة الوطنية). فالدولة الوطنية تحتاج اليوم إلى إعادة تعريف وتبيان ماهيتها وأسسها .فدولنا العربية وبخاصة دول المشرق العربي تعيش أزمة حادة وغير مسبوقة . بل يمكننا القول أنَّ ما وصلت إليه بلداننا العربية من أوضاع قاسية ومعقدة جعلته في حالة انهيار ، ونحن عملياً وليس ظاهرياً أمام دول ثلاث تواجه أخطار جسيمة ( سورية والعراق ولبنان ) ، هذه الأخطار إذا استمرت على النحو الذي هي فيه ، فسيؤدي بها إلى الاضمحلال الكياني ، ليس فقط لكونها تعاني وطأة التدخلات الأجنبية المباشرة ، في قرارها السيادي، بل في كثير من المواقف نجدها فقدت تماماً قرارها السيادي على أراضيها. ليس هذا فحسب بل لأنها بعد سنوات من تلك التدخلات والحروب المنهكة والمدمرة ، تعاني اليوم هشاشة غير مسبوقة في بنى الدولة ومؤسساتها وإداراتها ، حتى تكاد الدولة نفسها هي الغائب الأكبر عن المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي . لقد كشفت الظروف تدني مستوى الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن ، لكنها في الوقت نفسه، تشير إلى تحولات هائلة جداً طالت دول المشرق العربي، وفي مقدمتها أن ما كان يُسمى ب(الدولة الوطنية) تحتاج اليوم إلى إعادة تعريف من جديد ، فالواقع الراهن يؤكد عدم قدرة القوى السياسية المتواجدة في تلك الدول ، على اختلاف مشاربها الأيديولوجية، على بناء تفاهمات رئيسية أو أي إيجاد حالة من حالات التوافق العام، حول ضرورة المحافظة على مستوى (وطني) من الدولة، أي المستوى الذي يحمي الدولة نفسها من التفتت والاضمحلال، أو المزيد من التفتت والتشرذم والضياع.
الصراع على السلطة والحكم هو مسألة سياسية مفهومة بكل معانيها وإرهاصاتها ، إلا أن هناك حدوداً في أي صراع مهما كان متصاعداً، ثمة خطوط حمراء، هي الخطوط الوطنية التي لا يجب تجاوزها، وغياب تلك الحدود، يجعل من الصراع على السلطة صراعاً عدمياً بل صراعاً دموياً، صراع الكل ضد الكل، بتعبير الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز Thomas Hobbes (1588-1679م). حيث يصبح الهدف الرئيسي الأول لأي طرف سياسي إبادة الطرف الآخر دون هوادة ، بشكل نهائي، ومحوه عن خريطة الوجود بأي وسيلةٍ كانت، من دون أي اعتبارات أخلاقية أو وطنية أو وإنسانية.
إنَّ مفهوم السياسة بمعناها الحديث والمعاصر هي شكل من أشكال الممارسة العقلانية في الواقع ، بل إن السياسية الحديثة ولدت من خلال العقلانية التي وضع أسسها كبار المفكرين والفلاسفة العقلانيين ، فلم تعد ممارسة عفوية، أو احتكاماً مطلقاً لقانون الغلبة أو من يملك القوة ، بل إمكانية إدارة المصالح الوطنية، وفي مقدمتها خير الصالح العام للوطن والمواطن، الذي يعطي للسياسة، وللقوى السياسية، شرعية تمثيل كل القوى الاجتماعية، وإلا فإن القوى السياسية الفاعلة تصبح مجرد خاطف رهائن للقوى الاجتماعية وقاهرة ومستبدة لشعوبها، ومستعدة أن تغامر، باسم من تمثلهم، في حروب مدمرة لا طائل منها ، حتى لو أدى ذلك إلى أذية الفئات الاجتماعية نفسها وتفتيتها وتشريدها وقتل أعداد منها، وإضعاف وجودها، ونسف رصيدها الرمزي الوطني، وتحميلها كلفة الخسائر البشرية والمادية والمعنوية والرمزية واتهام الشعوب نفسها في تخريب البلاد .
منذ عام 2003 م، أي عندما وقع القطر العراقي الشقيق أسيراً تحت الاحتلال الأمريكي لم يتمكن العراق من مراكمة عمل سياسي داخلي، من شأنه بناء أطر جديدة للهوية الوطنية العراقية الحقيقية من جهة، وبناء مستوى ثابت ومستقر لمؤسسات الدولة وهيئاتها وإداراتها من جهة أخرى، خصوصاً الجهات السيادية، وفي مقدمتها المؤسسات والإدارات المسؤولة عن احتكار السلاح وشرائه وتوزيعه وتخزينه ، واستخدامه ضد المواطنين بشكلٍ بشع ولا إنساني، فعراق اليوم هو ساحة لانتشار السلاح بين أيدي جميع الأطراف السياسية المنشرة على كافة مساحة البلاد، من دون أن يكون للدولة أي قدرة على ضبط هذا السلاح وطرق استخدامه ، أو العمل على احتكاره ولو لفترةٍ معينة ، فجميع القوى السياسية غير مستعدة للتخلي عن سلاحها الذي اعتبرته أنه سيحقق لها وجودها الطائفي أو المذهبي أو الإثني ، لأنه يضمن لها وجودها، وحصصها من الامتيازات الخاصة والمكاسب والمناصب ، وهو ما يعكس بشكلٍ عملي غياب الدولة الوطنية العراقية.
إنَّ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة يقوم على فكرة أنَّ الدولة كيان ضروري لحياة الشعوب. وأنها تُبنى على أساس فكرة جوهرية وأساسية هي أن (الدولة لكل مواطنيها) دون أي تمييز بينهم على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو المستوى الاجتماعي ،أو أي تباين في أي من الصفات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية . بلادنا العربية ومشرقنا العربي بشكلٍ خاص يدفع أثماناً باهظة لسياساته الداخلية القاسية بالدرجة الأولى، لكنه أيضاً يدفع ثمن اضطراب النظامين العربي والإقليمي والدولي، بل إننا دولياً، أمام غياب نظام عالمي متفق عليه، يمكن أن يشكل مرجعية حقيقية للتفاوض وإيجاد الحلول المناسبة لمشاكلنا ، كما في حالات عديدة جرت خلال الحرب الباردة التي امتدت عشرات السنين .

المصدرالكاتب للمركز الفلسطيني الأوروبي للإعلام
رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق