مَنْ سيتولى زعامة أوروبا ؟

12 يناير 2022آخر تحديث : الأربعاء 12 يناير 2022 - 2:04 مساءً
مقالات وآراء
مَنْ سيتولى زعامة أوروبا ؟

بقلم : عماد خالد رحمة

كان لاستقالة السيدة أنجيلا ميركل من منصب المستشارية الألمانية، تأير كبير ليس فقط داخل جمهورية ألمانيا الاتحادية، بل داخل الاتحاد الأوروبي ،وهي التي كان يعتبرها البعض القائدة الفعلية للاتحاد الأوروبي. لقد كان لمغادرتها دورٌ كبير في حالة التنافس المحموم حول من سيملأ الفضاء الأوروبي الكبير الذي كانت تديره المستشارة ميركل بقوةٍ واهتمامٍ وتعقّل، وسط شكوكٍ كبيرةٍ في قدرة أيّ من الطامحين على سد هذا الفراغ والتربع على عرش الزعامة في القارة الأوروبية التي تم وصفها بالقارة العجوز.
يبدو أنّ الطامحين لإشغال منصب رئاسة الإتحاد الأوروبي كثر، لكن أبرز هؤلاء الطامحون هم ثلاثة: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي، وخليفة السيدة ميركل في منصب المستشارية الألمانية، أولاف شولتس. هذا المنصب الرفيع يجعلنا نعترف بأنّ مهمة هذا الدور كبيرة وهامة جداً. لذا يمكننا رصد الحظوظ التي يمكن أن يحظى بهاأيّ من هؤلاء الزعماء الثلاثة. وهنا لا بدَّ أيضاً من الاعتراف بأن مهمة أي من هؤلاء القادة، في حال تمكنه من تكريس نفسه زعيماً للإتحاد الأوروبي، لن تكون سهلة على الإطلاق في ظل ضعف الاتحاد وما يعانيه من أزمات مستجدة مثل جائحة كوفيد 19 (كورونا)، وتداعيات عملية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)،والوضع في أوكرانيا، والتحديات الكبيرة والضخمة، داخلياً وخارجياً، والانقسامات العميقة التي يشهدها ويتعامل معها لحلها، كما أنّ غياب السيدة أنجيلا ميركل يسهم كثيراً في تكريس هذا الضعف وهذا الوهن، خصوصاً أنها بقيت على مدى ستة عشر عاماً في السلطة تعتبر صانعة فكرة ( التوافق) الأوروبي، والصوت الأكثر حضوراً وقوةً في الساحة الدولية.
المتابع لمجريات التحضير للانتخابات الرئاسية في فرنسا يدرك تمام الإدراك حالة الطموح والجموع التي يقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للحصول على الزعامة الأوروبية .إذ لطالما عبّر عن بقوّة عن رغبته في العمل من أجل أن تكون أوروبا قوية على المستوى العالمي وذات سيادة كاملة وحرّة في خياراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية وسيدة مصيرها ومستقبلها، ولطالما شكّل ثنائياً مع المستشارة المنتهية ولايتها السيدة أنجيلا ميركل في الدعوة إلى التخلص من التبعية للولايات المتحدة الأمريكية، وبناء جيش أوروبي موحد لحماية أوروبا والحفاظ على استقلاليتها ومكوناتها وكرامتها والخروج من سطوة الولايات المتحدة الأمريكية التي هدّدت مراراً عبر تصريحات الرئيس السابق دونالد ترامب بأنّ الولايات المتحدة هي التي تحمي أوروبا، وليس الأوروبيين أنفسهم. على الرغم من وجودهم معاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن الزعامة الأوروبية تحتاج إلى إثبات قدرته على مواجهة تلك التحديات وتلك المصائر، بخاصة في المجال الاقتصادي، ومواجهة جائحة كوفيد 19 (كورونا)، والقيام بإصلاحات بنيوية على المستوى الأوروبي، بما في ذلك على مستوى المؤسسات والهيئات والإدارة.
من اللافت أنه من خلال المناقشات والحوارات والاتصالات المستمرة خلال فترة طويلة. توصّل الرئيس الفرنسي ماكرون إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي أطلقا بموجبه دعوة مشتركة إلى إصلاح قواعد الميزانية الأوروبية بهدف السماح بمزيد من الإنفاق الاستثماري، وإن كان هذا الاتفاق يثير سخط واستياء دول الشمال الأوروبي الأكثر تشدداً في الشؤون المالية العامة وهو أمر لا يمكن أن يتم دون التشاور معهم. ومع ذلك، فإن طموح الرئيس ماكرون إلى زعامة أوروبا قد يصطدم بالتحالفات الجديدة التي تتشكَّل وتتبلور داخل القارة الأوروبية، وانشغاله بانتخابات الرئاسة الفرنسية غير المضمونة لمصلحته نتيجة طغيان أحزاب اليمين، والتي ستحد من اهتمامه بتطوير رؤاه وخططه على المستوى الأوروبي.
أما رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي الذي يلقب بـ (سوبر ماريو) وهو المفعم جداً بالاقتصاد والتطوير الاقتصادي، والذي كان تولى رئاسة البنك المركزي الأوروبي في فتراتٍ هامة من تاريخ أوروبا، فينظر إليه من قبل المحللين والمراقبين على أنه قادر على ملء الفراغ الذي تركته المستشارة السابقة السيدة أنجيلا ميركل، وإن كان يختلف مع نهجها وأسلوب تعاطيها مع القضايا الاقتصادية الجوهرية ،ومن حيث قدرته على ضخ ديناميكية جديدة في التكامل الأوروبي في المجالات الاقتصادية والأمنية والدفاعية، إلا أن رغبته في رئاسة الدولة الإيطالية خلال العام الجاري قد تحول دون تحقيق طموحه وما يرمي إليه. ويبقى على السيد أولاف شولتس المستشار الجديد لجمهورية ألمانيا الاتحادية، الذي يتولى رئاسة مجموعة السبع اعتباراً من بداية العام الجاري، أن يقدم نفسه على مستوى القيادة الأوروبية، وأن يثبت قدراته الكبيرة على مواجهة التحديات والصعوبات التي تواجه أوروبا، مثل جائحة كوفيد 19(كورونا)، والتغيير المناخي الذي له أهمية كبيرة في العمل السياسي. والمنافسة الجيوسياسية، وفق المحللين والمراقبين والقادة الاستراتيجيين، والتي لم يختبر فيها بعد. وبالتالي، فإن ترجيحات الخبراء والمحللين والباحثين الاستراتيجيين هي أنّ أوروبا ستبقى تبحث عن زعامة حقيقية في الوقت الراهن، على المدى المنظور وها نحن ننتظر .

المصدرالكاتب للمركز الفلسطينى الأوروبى للإعلام
عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق