من طبائع الاستبداد إلى صنائع الاستبداد

12 ديسمبر 2021آخر تحديث : الأحد 12 ديسمبر 2021 - 2:32 مساءً
مقالات وآراء
من طبائع الاستبداد إلى صنائع الاستبداد

بقلم : عماد خالد رحمة

في تاريخنا البشري الموغل في القِدَم طفحت على سطحه بثور وطفرات القهر والاستبداد، وأسال القيح والصديد من مخرجات وأقنية ومسامات سنواته. بعد مضي كل تلك القرون والسنين جاء الكاتب العربي النهضوي عبد الرحمن الكواكبي ليقدِّمَ لنا كتابه الهام بعنوان : ( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ) يشخِّص ما يسميه داء الاستبداد السياسي، ويصف أقبح أنواعه: وهو استبداد الجهل على العلم ،واستبداد النفس على العقل .
يبدو كتاب الرائد النهضوي عبد الرحمن الكواكبي كتابٌ هام جداً يبحث فيه عن الاستبداد وألوانه الرمادية كما لو أنه كُتب قبل أعوامٍ قليلة، لأنَّ الاستبداد اندفع الى أقصاه في هذه الأيام الحرجة من تاريخنا الإنساني ومن بلداننا العربية الفاقدة للحرية والديمقراطية والعدالة الإنسانية نسبياً، لم تكن الانفجارات المتعاقبة والترددات الزلزالية، وخروج الحمم من مغما المد القهري في عالمنا العربي ،إلا من افرازاته، ومن فائض مكبوتاته وحمولاته ، التي أدى إلى تأجيل انفجارها في مواعيده الافتراضية إلى حراكات شعبية تنشد الحرية . وإلى تدخلات عصبوية عنيفة جداً فيها ماهو أقرب إلى العشوائي بسبب غياب البوصلة أو عطبها المؤقت. وبسبب السياسات والإجراءات الأمنية القهرية البراغماتية .
جاء عبد الرحمن الكواكبي بعد أكثر من قرن غاشم حاملاً فكره في قلبه ، كماحمله بين دفتي كتابه فاراً في زمن التتريك والتجهيل والإفقار والاستبداد إلى مصر، لكنه مات مسموماً في أحد مقاهيها. متأثراً بسم دس له في فنجان القهوة يوم الجمعة 13 حزيران 1902 م ودفن عند جبل المقطم. رثاه كبار رجال الفكر والشعر والأدب في سورية ومصر، ونقش على قبره بيتان للشاعر الكبير حافظ إبراهيم :
هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا وأقرؤوا أمّ الكتاب وسلموا عليه فهذا القبر قبر الكواكبي
كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) للكواكبي هو مبتدأ الجملة التاريخية الناقصة، لأنّ العالم برمته بعد عدة عقودٍ طويلة من صدور الكتاب، دخل الى حقبة جديدة تفوَّقت على سابقاتها هي حقبة صنائع الاستبداد وليس طبائعه فقط، والاستبداد عند هذا الرائد النهضوي القادم من مدينة حلب ابن سلالة الحضارة العربية الإنسانية ، فإنَّ له أسلاف وأبناء وأحفاد.
لهذا يصعب علينا أن نعثر على دابره لقطعه كما يقال في بلاغتنا العربية أي (اِسْتَأْصَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ )، كما أنّ له أيضاً ثقافته وجذوره العميقة وبالتالي امتداداته وتجلياته وفضاءاته واستطالاته لكن بصورةٍ مختلفة ، لأنَّ التطور والتقدم لم يكن حكراً على النافع والمفيد في حياة الناس، فالكذب والمراوغة أيضاً تطوّرا وأصبحت لهما تكنولوجياه، وكذلك التعذيب والسحل داخل أقبية السجون الصغيرة أو السجون الكبيرة من خلال تقنيات سادية أضافها العلم في اشدّ أبعاده سلبية وقهرية ولا إنسانية .
أخطر ما في تفاقم الاستبداد واستطالاته واستحقاقاته هو إمكانية التأقلم معه والتماهي فيه، وتحويله إلى أمر مألوف لفرط تكراره واستمراره، عندئذ تكون سادية المستبد قد أنتجت ماسوشية ضحية الاستبداد القهري ،والاستبداد السياسي هو صنو الاستبداد الفكري والثقافي وقرينه، حيث لا يقبل المستبد أي فكرة غير فكرته، ولا يرى غير رأيه ونظرته، تماما كالذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ صدق الله العظيم (غافر: 29).فهذا قمة الاستبداد الفرعوني بالعقول والفكر والثقافة وماهية المعرفة ، إذ عطل بذلك عقل الجميع وحرمهم حتى من حرية اختيار الفكرة والتعبير عن الرأي، فهو يقول لهم بلسان الحال لا يصلح لكم من الأفكار إلّا ما رأيته واقتنعت به.
وقد حدث بشكل عملي أنّ مثل هذا الادمان الماسوشي قد أجّل اندلاع ثورات وانتفاضات وعصيانات في التاريخ .
أما السؤال الهام فهو هل كان لمثل هذا الكتاب الهام نفوذ معرفي قوي بحيث عبر القرون أم أنّ مادته الخام وموضوعاته الأساسية هي ما تكرَّر لكن على نحو مأساوي وصعب جداً هذه المرة ؟
اذا سلّمنا جدلاً بأن تكرار التاريخ للأحداث لا بُدَّ أن يكون بين صيغتين إثنتين إحداهما كوميدية والأخرى تراجيدية، وعلى الرغم من أنّ كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) هو الأشهر في موروث الرائد النهضوي عبد الرحمن الكواكبي بحيث اقترن اسمه به، إلا أنّ له مؤلفات أخرى منها مثل كتاب (أم القرى) .تحتاج إلى إعادة نشر واستقراء أيضاً والبحث ما بين السطور وما يرمي إليه ، ليس فقط لأنه تخيّل يوتوبيا قومية تلتئم فيها الأطراف المتنازعة والمتصارعة حول همّ جامع واحد وتحت قاسم مشترك إنساني وأخلاقي بقدر ما هو وطني، بل لأنّ وطننا العربي بعد مائة وخمس أعوام من معاهدة سايكس ـ بيكو يبدو على تخوم فصل جديد، بحيث نتولى نحن العرب أنفسنا هذه المرة إعادة رسم الخارطة السياسية وفق مقياس التضاريس الطائفية الضيقة .

المصدرالكاتب للمركز الفلسطينى الأوروبى للإعلام
عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق