مناورات تكتيكية أم تغيير حقيقي في مُدن الملح؟ بقلم : عبد الله أبو شاويش

25 مارس 2022آخر تحديث : الجمعة 25 مارس 2022 - 12:11 مساءً
مقالات وآراء
مناورات تكتيكية أم تغيير حقيقي في مُدن الملح؟ بقلم : عبد الله أبو شاويش

عن عالم ما بعد 24 فبراير، وروح متعب الهذال

مناورات تكتيكية أم تغيير حقيقي في مُدن الملح؟

لا أحد يسبح في النهر مرتين، وعملية التغيير هي الثابت التاريخي الوحيد الذي لا جدال فيه، فيما يبقى مجال للجدل في وتيرة وعمق وسرعة هذا التغيير، وبينما زالت الحضارات القديمة ببطء وانسيابية بقياس عدد السنوات التي استغرقها ذلك، فان تغيرات أخرى حصلت بطرفة عين في عمر الزمن؛ هزيمة المحور وانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أفضل مثال على ذلك، ومع انتهاء سنوات الحرب الستة “1939 حتى 1945” تغير النظام العالمي وصار له سمات أخرى، وبعدها بجيلين فقط جاءت البروسترويكا فتفكك الاتحاد السوفيتي وهُدم سور برلين، ليُعلن بذلك افول شمس القطبية الثنائية وحلول نظام القطب الواحد وقيم الليبرالية والعولمة والسوق.  الثورة الرقمية تغيير آخر كان سريعا وخاطفاً وفي أقل من جيل واحد تحولت البشرية إلى الاعتماد شبه الكامل على أشباه المُوَصّلات في إدارة كافة مناحي حياتها، تغير سريع جدا لم يتسنى للملايين الكثر حول العالم، ودول، وشركات بحجم دول مثل شركة كوداك للتصوير، استيعابه والتأقلم معه.  فقط بعض أصحاب البصيرة من السياسيين والأفراد هم من استوعبوا هذا التغيير واستفادوا منه.

فيما يُعيد المؤرخ قراءة الأحداث الماضية، ومن ثم يُقدمها وفقاً للزاوية التي يرى بها الأمور، فان المُنشغل بحقل الاقتصاد السياسي عليه أن يتوقع التغييرات القادمة التي ستصنع التاريخ، وعليه أيضا؛ إن أمكنه ذلك، أن يكون مؤثراً في صناعة هذا التاريخ، ومثلما كان العام 1979 مفصلياً في تاريخ العالم، فإن السنين الثلاثة الأخيرة فارقات أيضا في تاريخ البشرية بما حملاه من تحديان رئيسان، الأول هو اجتياح جائحة كورونا للعالم وحصده الملايين من الأرواح، وأثره العميق في حاضر ومستقبل التنمية، تحتاج البشرية؛ سيما دول الجنوب، سنوات طويلة للتعافي من أثرها، ولا أقول للانطلاق مرة أخرى وحصد ثمار وعود “خطة تغير عالمنا: أجندة التنمية المستدامة 2030”.

أما التحدي الثاني والذي لا زلنا نتابعه فهو الحرب الروسية الغربية، والتي يطلق عليها سياسياً الغزو الروسي لأوكرانيا. 24 فبراير مفصلي بالمطلق في تاريخ الاقتصاد السياسي للبشرية. فيما اتحد العالم بشكل كبير “وإن لم يكن سريعاً وعادلاً وكافياً” لمواجهة التغيير – التحدي الأول، والتأقلم معه والتخفيف من آثاره تحت مبدأ المسئولية المشتركة، فإن العالم انقسم بشكل واضح وجلي في مواجهة التغيير – التحدي الثاني، والتعامل معه، ولحين ينقشع غبار المعركة وتغور رائحة الموت والبارود من ساحتها، ويوقع أصحاب قرار الحرب الحاضرين ببدلاتهم الأنيقة اتفاق نهائي لوقف الخراب والموت، فإننا بالتأكيد بحاجة لقراءة ما بعد هذا التوقيع، ولعمل ذلك؛ فان هناك الكثير من المؤشرات التي بإمكاننا الان النظر اليها، ليتسنى لنا استنباط احداث اليوم الثاني لما بعد توقيع فض الاشتباك.  المعضلة الكبيرة التي تواجه جميع المراقبين والكتاب والمحلليين هي أن ماكنة الإعلام التي تدير الحرب؛ والمسموح لنا أن نراها، هي بالمطلق غربية، وبأريحية مطلقة بالإمكان التأكيد أنها ماكنة منحازة، وأما النقل عن مصدر مسئول فغالباً هي اجتهادات للصحف والصحفيين تعكس توجهاتهم ورغبات الممول لا الحقيقة، ومع ذلك فإن التدقيق بين السطور وقراءة وربط الكثير من الأخبار الجانبية يعطينا فرصة لتوسيع مداركنا، مع التأكيد مسبقاً على أن هذه المؤشرات برمتها هي ما يَسمح السياسيين بتسريبها، أو ما يعتقده الكتاب والمحللين، أما الحقائق فهي دائما بعيدة عن أعين الكاميرات وغالباً ما يتم نقاشها في جلسات العيون الأربع.

يقيناً فإن العلاقات الدولية لا تحكمها بالمطلق القيم والمبادئ أو حتى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة فالقوة، وفقط القوة هي ما تُحَدد من عليه الإنصياع للقانون الدولي ومبادئ وميثاق الأمم المتحدة، ومن يستطيع وبشكل علني أن يتجاوزها، والاستعراض التاريخي لما فعلته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية أفضل دليل على ذلك.

الحرب بين آخر قلاع حلف وارسو، وحلف الناتو التي اندلعت في 24 فبراير الماضي لها امتداداتها وارتداداتها على البشرية عامة، وعلى مستقبل الشرق الأوسط خاصة، وعلى كثرة اللاعبين والمؤثرين في مسار ومآلات هذه الحرب فإن من أبرزهم، المحمدين؛ بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية والحاكم الفعلي لها، وبن زايد، ولي عهد أبو ظبي ورجل الإمارات القوي والمُتحكم بسياستها الخارجية، وذلك بفضل امتلاكهم النفط، العنصر المهم والحاسم في هذه الحرب. 

على الأغلب فإن الرئيس الأمريكي بايدن دخل المعركة وهو موقن أنه بِمُجرد أن يطلب على الهاتف ولي العهد السعودي والمُتَحكم الفعلي بصنبور النفط فيها، في مكالمته التي طال انتظارها من قبل الأخير، فإن هذا سيضمن له الإنفاذ الحقيقي والعملي للعقوبات التي هدد بها الإتحاد الروسي قبل الحرب، وفيما ستحسم قوة النار المنتصر على أرض المعركة، فإن النفط سيحسم مدتها وحجم الضرر الذي سيلحق بكل فريق وهذا هو الأهم، ولكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، فهاتف الأمير محمد برمج مسبقاً برد أتوماتيكي بمجرد ظهور المقدمة +11 “الهاتف الذي تطلبه مغلق حالياً”، وعلى النقيض من ذلك فقد إتخذ المحمدين سلسلة من الخطوات التي لا تصب بالمطلق في صالح معركة الغرب؛ ان لم نقل؛ وبتحفظ كبير، أنها ترجح كفة الإتحاد الروسي فيها.  كيف ولماذا حدث ويحدث هذا؟ هل شق الشابين عصا الطاعة الأمريكية للأبد، وهذا طلاق بائن بينونة كبرى؟ أم أنها سحابة صيف ستنقشع بخروج بايدن من البيت الأبيض؟ 

مرت العلاقات الأمريكية بالخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بمرحلتين رئيسيتين، الأولى بدأت على ظهر المُدمرة الأمريكية كوينسي بتاريخ 14 فبراير 1945، باجتماع الملك المؤسس عبدالعزيز ابن سعود مع الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت، الرابح الوحيد في الحرب العالمية الثانية، اجتماع أسس لمعادلة الحماية مقابل إمدادات النفط، كما كان المسمار قبل الأخير في نعش الإمبراطورية البريطانية. وَوَضَعَ الترتيبات العملية للتموضع الأمريكي في منطقة الخليج.  مع الأخذ بعين الإعتبار فرق القوة والقدرة بين البلدين، فإنه يمكن القول وبكل أريحية أن العلاقة بينهما بدأت إلى حد كبير كعلاقة تحالف ومصالح متبادلة وفيها نوع من الندية، وحرب العاشر من رمضان وسلاح النفط الذي استخدمه الملك فيصل في حينه لتثبيت أقدام الجندي المصري شرق القناة، دليل على ذلك يمكن الوثوق به. أما المرحلة الثانية فقد تجلت بشكل واضح في السنوات من 2017 إلى 2021 والتي يمكن وصفها بعلاقة السيد وتابعه كما أراد لها الرئيس ترامب أن تكون في لقاءاته مع الإعلاميين، وتناوله بشكل وقح مكالماته مع الملك سليمان أمام جمهوره وناخبيه في الميادين العامة، والتغريدات الفجة التي كتب منها الكثير عن علاقته بحكام الخليج، قبل وأثناء تسيده البيت الأبيض، فجاجة ووقاحة ما كان لأي عربي، أن يقبلها وما كان لأي خليجي أن يتسامح معها. 

إلتزمت الرياض منذ العام 1974 ببيع النفط بأسعار تفضيلة لأمريكا وبتسعيره أيضاً بالدولار، ما أدى؛ وللتبسيط فقط، إلى أن يصبح الأخضر الأمريكي هو الفيصل والحاكم لسيرورة التجارة العالمية، كذلك ضخت المليارات العديدة كاستثمارات في عجلة الإقتصاد الأمريكي، وغير ذلك الكثير، وعلى الرغم من ذلك فقد عَمَدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تقويض تلك العلاقة بشكل كبير، سواء بالإجراءات المنحازة لدولة الاحتلال وما يسببه ذلك من حرج للرياض كدولة سنية ترى نفسها قائد العالم الإسلامي، أو بجملة من الإجراءات والتصريحات الموجهة ضددها، والتي كان آخرها تلك التي إتخذتها إدارة بايدن. 

ففيما يعلم الجميع أن الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية هو الامير الشاب، ولي العهد محمد بن سلمان، فقد أدار بايدن ظهره له حتى قبل أن يدخل مكتبه، وعلينا أن نتذكر ما قالته جين باسكي المتحدثة باسم البيت الأبيض “أن الاتصال مع المملكة العربية السعودية سيكون على مستوى النظراء”، في إشارة واضحة إلى أن بايدن لن يتواصل مع ولي العهد الذي اعتادت الإدارة السابقة التواصل معه مباشرة وليس مع الملك الأب نفسه.  بايدن لم يكتفي بذلك فهاجمه علنا سواء أثناء حملته الإنتخابية أو بعد دخوله البيت الأبيض، وكذلك رفع دعم بلاده السياسي عن حربه في اليمن ضد الحوثيين، بل ورفع الحوثيين أنفسهم من قائمة المنظمات الإرهابية، فيما قرر تأجيل الكثير من مبيعات الأسلحة للرياض، ويتفاوض مع إيران في فيينا لإعادة العمل باتفاق 5+ 1 بدون التنسيق والتشاور مع الرياض، صاحبة المصلحة في هذا الإتفاق، وأصبح واضحا أنه منفتح تماماً على رفع اسم حرس الثورة الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية، إلى جانب انسحابه من أفغانستان وما يعنيه ذلك من ضرر كبير للأمن في الخليج.

الموقف “الإنتقائي جدا” من حالة حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، ومقتل الصحفي السعودي خاشقجي، وغيرها الكثير جعلت حكام الخليج يوقنون؛ كما الجميع، أن الأمريكان ليسوا أصدقاء، وليسوا حلفاء بالمطلق، وأن ممالكهم مهددة من الأمريكان أكثر من الأعداء التقليديين.  باختصار علاقة حكام الخليج بإدارة بايدن؛ ومن قبله رئيسه أوباما سيئة، و24 فبراير هو يوم مفصلي في العلاقة بينهم وبين هذه الإدارة، والمراقب لحركة الطائرات الرسمية الحكومية في مطاري الملك خالد ودبي الدوليين، يعلم تماماً أهمية هاتان الدولتان في الحرب الدائرة الآن، والمتابع للحراك السياسي والدبلوماسي الجاري على أراضي مدن الملح، يعلم تماماً أن المحمدين قررا بشكل لا لبس فيه شق عصا الطاعة والخروج عن إرادة  الإدارة الأمريكية الحالية. 

في مطار الملك خالد، هبطت، يوم الثلاثاء 8 مارس، طائرة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حيث استقبله ولي العهد واصطحبه للإجتماع بالملك الأب، ومن ثم أصدر الجانبان بياناً مشتركاً طويلاً تناولا فيه جميع التحديات الماثلة أمامها، الأمنية والسياسية، وحتى مواضيع تغير المناخ، إلا أنه؛ أي البيان، لم يتطرق بالمطلق لدوي المدافع وصافرات الإنذار على أرض المعركة، وكأن الجانبان في غفلة عما يجري، وهذا بالتأكيد غير ممكن فالجميع يعرف مدى تأثر البلدين بما يجري، فمصر على أعتاب كارثة إذا ما توقفت امدادات القمح القادمة من سهول غرب آسيا، ومصر السيسي أيضا على خلاف عميق مع الإدارة الأمريكية الحالية، ولولا الحرب الإسرائيلية على غزة في مايو 2021 لما سمعنا عن مكالمة بايدن للرئيس السيسي، وعقب هذا اللقاء يبقى السؤال المشروع جداً، كيف نسق الجانبان مواقفهما من الحرب لضمان ألا يخرج بايدن منها منتصراً. 

في 16 مارس الحالي، هبطت طائرة رئيس الوزراء البريطاني جونسون في كل من مطار أبو ظبي ومطار الملك خالد على التوالي، وقد جاءت الزيارة بهدف واضح ومعلن مسبقاً، وهو حث عملاقي الطاقة على زيادة المعروض من نفطهما بهدف المحافظة على استقرار الأسعار عند مستوى ما قبل الأزمة تجنباً لكساد اقتصادي عالمي، وكذلك للإنطلاق العملي في جلسات علاج الإدمان الأوروبي للطاقة الروسية، وما يعنيه ذلك من قدرة الغرب على تنفيذ العقوبات التي أعلنها على موسكو.  زيارة جونسون لم تأتي أُكُلُهُا ولم تطمئن بالمطلق مضاربي النفط  فظلت أسعاره مرتفعة على عكس ما يريده الناتو، فعاد وخزانات طائرته فارغة على عكس ما اعتاد، ولا أقول توقع من الكرم العربي.

بتاريخ 17 مارس، ومن مطار دبي، أقلعت طائرة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد وحطت في موسكو، وعلى هدير المدافع التي لا تتوقف صرح الشيخ عبدالله بإن الأمارات تتعاون مع روسيا لتحسين أمن الطاقة العالمي، فيما صرح قبل الزيارة بإنه يُخطط لمناقشة الأزمات في أوكرانيا وسوريا والعراق واليمن، خلال زيارته إلى روسيا، ولا يسعنا إلا القول أن المكالمة الهاتفية التي أجراها معه سيرغي لافروف قبل اندلاع الحرب بيوم واحد فقط، على الأغلب كانت لضمان أمن الطاقة بالفعل كما يراه الطرفان، لا كما يرغب به الناتو.

يوم الجمعة 18 مارس 2022، هبطت طائرة الرئيس بشار الأسد في الإمارات العربية المتحدة، حيث التقى هناك ولي العهد محمد بن راشد رئيس مجلس الوزراء، ومحمد بن زايد ولي العهد كل على حدة، صحيح أن ترتيب مقاعد الجلوس بين الرئيس بشار الأسد من جهة وكل من محمد بن راشد ومحمد بن زايد من جهة أخرى لم يكن بندية كما هو واجب بروتوكولياً ولهذا دلالاته الخاصة جداً، لكنها أيضا زيارة مفصلية، سبقتها زيارة وزير الخارجية الإمارتي عبدالله بن زايد لدمشق بتاريخ 9/11/2021. وهي زيارة على الأرجح ملأت خزانات طائرة الرئيس الأسد بالوقود اللازم ليتسنى لها الإقلاع من دمشق والهبوط في الجزائر لحضور القمة العربية في الفاتح من نوفمبر القادم. زيارة الرئيس الأسد لاقت نفوراً من قبل الغرب، وقد عبرت عن ذلك وزارة الخارجية الأمريكية بالقول بأنها “تشعر بخيبة أمل كبيرة وبقلق من المحاولة لإضفاء الشرعية على الرئيس بشار الأسد”، يُشار إلى أن وزير الخارجية الأمريكي بلنكن قال أيضاً “أن الولايات المتحدة لا تدعم إعادة تأهيل الأسد ولا تؤيد التطبيع معه”، فيما أصدرت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا بياناً مشتركاً يوم الثلاثاء 15 مارس 2022، أعلنوا فيه أن بلادهم “لا تدعم جهود تطبيع العلاقات مع نظام الأسد”، زيارة الأسد لا يمكن قراءتها بعيدا عن محادثات 5+1 وما سينتج عنها من إعادة انتشار للإيرانيين في سوريا، وهذا أيضا موضوع مصيري بالنسبة للخليج.

وبعيداً عن أبراج المراقبة وحركة إقلاع الطائرات، فإن هناك جملة من المؤشرات على تدهور العلاقة بين إدارة بايدن من جهة وبين الرياض وأبو ظبي من جهة أخرى، فقد رفضت الإمارات العربية المتحدة، العضو العربي في مجلس الأمن، إدانة الغزو الروسي لإوكرانيا في جلسة المجلس المُنعقدة يوم الجمعة 25 فبراير، تلك التحية التي لم تتأخر روسيا في الرد بأحسن منها، ففي 28 فبراير آخر يوم لها كرئيس لمجلس الأمن، قررت السماح  بتمرير القرار 2624 والذي صنف جماعة الحوثيين كجماعة إرهابية، روسيا نفسها التي اعتادت معارضة هذا التوجه في السابق بحكم تحالفها مع إيران.  جماعة الحوثيين التي قرر بايدن رفعها من قوائم الإرهاب، التصنيف الذي خَلَعَهُ عليهم سلفه ترامب، في خطوة إستفزت بالتأكيد الرياض خاصة، والخليج عامة.

الخليجيون يقرأون ويراقبون جيداً مؤشر العلاقة بين إسرائيل والإدارة الامريكية، وفي الحرب الدائرة في أوكرانيا اخذت إسرائيل موقفاً أبعد ما يكون عن موقف الحليف الأول للأمريكان، ولهم في ذلك حساباتهم الخاصة جداً سيما تلك المرتبطة بسماء سوريا، وأجهزة التشويش الروسية الكفيلة بأن تصيب سلاح الجو الإسرائيلي بالعمى التام، وكذلك منظومة الصواريخ S 400 التي سيعلوها الصدا قبل أن تستعملها دمشق، إلا أنه يبقى مؤشر يقرأ الخليج منه بأن هناك تغيير عميق قادم لا يصب في صالح الإدارة الأمريكية الحالية، إن لم نقل خطوة أولى في مسار طويل لسقوط الإمبراطورية الأمريكية والقطب الواحد كحتمية تاريخية ، وهذا يعتمد على نتائج الحرب. هذا اليقين بالتغيير يجعلهم يعيدون حساباتهم ويكتشفون أن لديهم مواضع قوة وعضلات يمكن استغلالها ويقينا ستعود عليهم بالنفع.

المؤشرات كثيرة على التمرد الخليجي، ولكن يبقى السؤال هل هذا التمرد حقيقي ومستدام، أم مرحلي يهدف لطرد الجمهوري بايدن من البيت الأبيض وإعادة حليفهم السابق ترامب أو أي من أفراد مجتمعه، وحتى الإحتمال الأخير محل تساؤل أيضاً، فعلى الرغم ما دفعه الخليج لترامب، فقد قابله الأخير بصفاقة وبتوجيه مجموعة إهانات عميقة لن ينساها بالمطلق حكام وشعب الخليج خصوصا، والعرب عموما، ويبقى السؤال المسموح والسهل، هل من الممكن طلاق البينونة الكبرى بين الخليج والولايات المتحدة، بالمطلق لا، فبينهما علاقات متشابكة ومتشعبة قائمة منذ 80 عاما، تخللها الكثير من الترابط والمصالح المشتركة واستثمارات بالمليارات للرياض على الأراضي الأمريكية، ولن يكون سهلاً التضحية بها، أضف لذلك أن القوات والقواعد الأمريكية على أرض المملكة نفسها كفيلة بعمل الكثير، سيما أن الجميع مُتفق على أن منطق القوة لا قوة المنطق هو ما يحكم العلاقات الدولية.

أبو ظبي والرياض سيحفرون بأظافرهم وأسنانهم قبر بايدن لأنهم موقنون تماماً بالخطر الداهم القادم، والنتائج الكارثية عليهم إذا ما ربح الحرب الدائرة حالياً في سهول غرب آسيا، وضمن لنفسه أربع سنوات أخرى سيداً للبيت الأبيض، حيث سيلوح بعصا حقوق الانسان التي سيجد الشواهد على خروقات حصلت وتحصل فيها، تلك العصا الغليظة، الملونة، الإنتقائية في الإستعمال ولكن هذه المرة ليس فقط لضمان مزيدا من المكاسب السياسية والاقتصادية، وإنما أيضا للإنتقام من موقفهم غير المقبول غربياً إبان المعركة وقطع إصابعهم لا تقليم أظافرهم.

بايدن لا زال يتذكر ولا ينسى الهدايا التي قدمها بن زايد لمنافسه ترامب في أوج الحملة الإنتخابية والمتمثلة في إطلاق قطار تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وما عناه ذلك من ثقل في صناديق الإقتراع لصالح الجمهوري ترامب كاد أن يضمن له سنوات أربع أخرى في الحكم، ولن ينسى بايدن مواقفهم الحالية من حربه مع الروس، وإذا قُدر له أن ينتصر ويخرج معافى إقتصاديا من حربه مع الروس، مع ضمان استمرار إستقرار الوضع في بحر الصين العظيم، فإن لديه الكثير جدا من الأدوات للإنتقام من المحمدين وعلى سبيل المثال لا الحصر، فبيده إعادة تفعيل الإتهامات الموجهة ضد المملكة نفسها بالوقوف وراء أحداث 11 سبتمبر، والتلويح بالصفحات الثمانية والعشرون السرية من تقرير الحادث، وتفعيل قانون جاستا JASTA  الصادر عام 2016، والذي يهدم الحصانة السيادية للدول أمام المحاكم الأمريكية والمصمم بالأساس لنهب إستثمارات المملكة على الأرض الأمريكية، بالإضافة إلى العزف المُنفرد والانتقائي للحن حقوق الإنسان لإبتزازهم، وسيعيد بالتأكيد الندب والنياح على الصحفي السعودي خاشقجي، لإنفاذ ما قالته المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي “أن الولايات المتحدة تحتفظ بحقها في فرض عقوبات على ولي العهد السعودي في المستقبل”.

الإمارات العربية المتحدة ستكون في مرمى النيران أيضا، فالبنوك هناك مُشْتَبَهٌ فيها منذ زمن بأنها ملاذ آمن للأموال القذرة من حول العالم، وبأن دبي مُسجل فيها العشرات من الشركات الوهمية لأداء مهمة واحدة وهي غسيل الأموال فقط، وهي حاضنة آمنة لمليارات الأوليغارشيا الروسية المحيطة والداعمة والمثبتة لأركان حكم الرئيس بوتين، وعلى أثر موقفها من الحرب الحالية، فقد وضعت هيئة الرقابة العالمية على غسيل الأموال وتمويل الإرهاب والمسماة مجموعة العمل الدولي The Financial Action Task Force (FATF)، الإمارات العربية المتحدة  في القائمة الرمادية بدعوى مخاوف من أنها، أي الإمارات، لا تفعل ما يكفي لمنع المجرمين والمتشددين من إخفاء ثرواتهم هناك، مع ما يعنيه ذلك من تهديد حقيقي للإمارات كملاذ آمن للإستثمارات العالمية.

المحمدين دخلا المنحنى الزلق طوعاً وبإختيارهما، وسيعملان بكل طاقتيهما على طرد بايدن من البيت الأبيض، وإلى جانب ألا تخسر روسيا الحرب؛ فإن وسيلتهم الأخرى للوصول لغايتهم هي ضمان غضب مستهلك النفط الأمريكي، وذلك يتحقق فقط إذا ما ظل السعر مرتفعاً فَيُجبر على إستخدام قدميه والمواصلات العامة، ليس من باب الرياضة والصحة أو الحفاظ على البيئة، وإنما من باب التوفير، فاتورة يريدون لبايدن أن يدفع ثمنها النهائي في صندوق الإنتخابات، ولأننا أمام لحظة يتغير فيها التاريخ، ويحفر بالنار والبارود، ويحاول كل طرف كتابته بما يعزز روايته ويخدم مصالحه، فإنه من المبكر جداً الحكم النهائي على قادم شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، إيمانا منا بأن التغيير هو الثابت الوحيد والأيام القادمة تحمل الكثير، ولكننا بكل يقين نستطيع الحكم أن كلا المحمدين وضعوا فِيَلَتِهمْ وقلاعهم وأحصنتهم وكل مقدراتهم على رقعة الشطرنج ليقولوا لبايدن …… Sleepy Joe ….. Checkmate. 

عبدالله محمد أبو شاويش 

نيويورك: 21 مارس 2022

عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق