مفهوم المواطنة وعلاقتها بمغما الدولة الوطنية : بقلم : عماد خالد رحمة

14 نوفمبر 2021آخر تحديث : الأحد 14 نوفمبر 2021 - 10:43 صباحًا
مقالات وآراء
مفهوم المواطنة وعلاقتها بمغما الدولة الوطنية : بقلم : عماد خالد رحمة

تعرَّض مفهوم المواطنة ومعنى جوهره للعديد من محاولات الابتسار والتشويه. لذا تطلَّب الأمر العمل لإعادة المفاهيم والمصطلحات إلى أصولها الصحيحة ،وإزالة أي تشويه أو تشويش لمدلولها وأهميتها. من هنا جاءت ضرورة إبراز حقيقة المواطنة وعلاقتها بالوطن ،وبالدولة الوطنية ،من خلال الفكر والقوانين والتشريعات الناظمة ،والممارسة العملية. وما يقتضيه من مسؤوليات كبيرة على الدولة والفرد .وفهم حقيقي وعلمي مستفيض لواقع وتجسيد مبدأ المواطنة في بلادنا العربية ،سواء في نصوص القانون والدستور ،أو في أحكام القضاء المتعلقة في حياة الشعب. ولأنَّ المواطنة هي علاقة متبادلة بين الأفراد والدولة التي ينتمون إليها ،عليهم أن يُقدّموا لها الولاء، ليُحصلوا على مجموعة من الحقوق المدنية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية. ومقومات المواطنة تتعدّد فيها الثقافات، وتختلف القيم والمبادئ والعقائد بين المجتمعات، مع العلم أنّ هناك مجموعة كبيرة من المقوِّمات الأساسيّة والمشتركة للمواطنة تختلف بين بلدٍ وآخر، وهي كالمساواة وتكافؤ الفرص ،وإتاحة جميع الفرص أمام المواطنين دون تمييز باختلاف عقائدهم الدينية ومذاهبهم وطوائفهم، ومعتقداتهم الفكريّة، وانتماءاتهم السياسيّة والاجتماعية، حيث يُمكن تحقيق ذلك بوجود ضماناتٍ تشريعية وقانونيةٍ. وقضاءٍ نزيه وعادل يُنصف كلّ من تتعرّض حقوقه بكل ألوانها للانتهاك. كما يجب أن تفتح المجال لكافة المواطنين للمشاركة الفاعلة في جميع المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بدءاً من حق الطفل في تلقي التربية والتعليم والرعاية الصحية ، مروراً بحرية الأفراد الفكرية والثقافية ،وحقّهم الطبيعي بالاستفادة من الخدمات العامّة، ومشاركتهم الفاعلة بالأنشطة الثقافية المختلفة، وانتهاءً بحقّ المواطن في الانخراط بحريةٍ في الأحزاب السّياسيّة، وتولّي المناصب العليا في الدولة، والمشاركة العملية الفاعلة في صنع القرار. والاعتقاد الدائم بأهميّة التقيُّد التام بالالتزامات والواجبات والقوانين والتشريعات تجاه الوطن.
الجدير بالذكر أنه أصبح اكتساب صفة المواطنة في الوقت الحالي بالحصول على الجنسية كشرط أولي للتمتُّع بجميع الحقوق التي تقدمها الدولة للمواطن، والواجبات التي يجب على المواطن أن يقدمها للدولة والمجتمع، وقد تُجرّد الدولة شخصاً من مواطنته لأسباب وجيهة تتعلّق بالتآمر على أمن وسلامة البلد، وغياب الولاء ،أو اكتشاف تزوير إجراءات الحصول على المواطنة ،أو غير ذلك من القضايا غير القانونية، وقد يتنازل شخص ما عن مواطنته طوعاً للحصول على مواطنة دولة أخرى، وهذا أمرٌ وارد ومثال عليه، حصول عدد كبير من اللاجئين على جنسيات البلد المضيف، والتخلي عن جنسيتهم الأصلية .
إنَّ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي خبرها العالم وجسدها على أرض الواقع خلال القرون الثلاثة الماضية، يقوم على فكرة أنَّ الدولة كيانٌ ضروريٌ جداً لحياة البشر. وأنها تُبنى وتترسّخ على أساس فكرة جوهرية هي أنّ (الدولة لكل مواطنيها) دون أي تمييز بينهم على أساس الدين أو المذهب أو الجنس أو العرق أو المستوى الاجتماعي، أو أي تباين في أي من الصفات والسمات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
لقد قضت الدولة الوطنية الحديثة بهذا المدلول وهذا المعنى، على العديد من الظواهر التي عاش فيها مجتمع الدول عشرات القرون الماضية، مثل التسليم بوجود طبقات متفاوتة بين مواطني الدولة وبعضهم البعض ترتب عليه تمييزاً واضحاً في الحقوق والواجبات على الطرفين الدولة والمواطن، مثل تمييز عنصر أو عرق على آخر، وتعدّد درجات المواطنة مثل ما شهدناه عبر تاريخنا من ممارسات الدول الامبراطورية الاستعمارية التي مارست أبشع حالات التمييز العنصري بهدف تفكيك عرى المجتمع والسيطرة عليه تحت عنوان : (فرِّق تسد)، وكذلك مثل تسلط دول على إرادة ومقدرات دول أخرى وشعوبها، وغير ذلك.
ونحن هنا لا نستطيع إغفال العلاقة بين مكونات الدولة الوطنية التي تستند على أساس ما بات يعرف (عقد مواطنة) الذي يرتب ويفرض حقوقاً للفرد في قيم العدالة والمســاواة وتكافؤ الفرص ،والحريات والأمن ،ويرتب أيضـاَ على الفـرد واجبات تجاه الدولة وتجاه غيره من المواطنين.
في الحقيقة لم تكن الدولة الوطنية بمفهومها ومدلولها الحديث من اهتمام وهواجس الفكر السياسي العربي قبل ظهور الحراك الشعبي الشبابي في العديد من دولنا العربية. التي فرضت الكثير من الأسئلة الشائكة والصعبة على هذا الفكر ، وجهازه المفهومي: كسؤال الهوية والانتماء الوطني، والمجتمع المدني ،والدولة الوطنية ، والديمقراطية، والحريات العامة والخاصة، وحقوق الفرد .وذلك لانشغال الفكر العربي بأيديولوجياته المتعددة القومية والدينية. ولم ينظر إلى الدولة الوطنية إلّا كأثر من آثار الاستعمار الذي مارس أبشع أنواع الإذلال والقهر والمهانة ضد الشعب. من هنا وجب تجاوز هذه المفاهيم التي كان لها أكبر الأثر السلبي في النفس والعقلية العربية .الذي دفع باتجاه منافسة قوية لشرعية الدولة المراد تحقيقها، والمنشودة حسب منظور ومخيال كل أيديولوجيا من تلك الأيديولوجيات. والتي أوجدت خلافاً في الرؤى والمفاهيم المتعلقة بدولة الخلافة الإسلامية التي جابهت أفكارها ،وناهضت فكرة (الدولة الوطنية العلمانية) ،أو (دولة الأمة العربية القومية) التي لا تتحقق إلا بالتخلص من (الدولة القطرية)، وإلغاء التجزئة التي خلّفها الاستعمار البغيض ،الذي جثم على صدور شعبنا العربي طيلة عشرات الأعوام.أو مئات السنين كالاستعمار العثماني لوطننا العربي الذي استمر نحو أربعمائة عام. أو حتى بنية (الدولة الاشتراكية) التي تتناقض مع بنية الطبقة البرجوازية المهيمنة ووحدة الثورات وحركات التحرر .
لقد تضخمت الأيديولوجيا وتحولت إلى عقائد صلبة، وأصبح مفهوم الحرّية ملتبساً بالتحرّر. وتم تكريس الفصل بين الدولة التي نعيش والمتخيَّل الأيديولوجي. كما ازدادت حدة الهزائم والإنهيارات المتلاحقة، واستعصت عملية النهوض . وتفاوت فهم آلية الوطني بالقومي، و وتداخل القومي بالعرقي (الإثني)، والهوية بالأصل والجذور. فيما كانت الحكومات تأخذ طابعاً وشكلاً عسكرياً تملك سلطات قهرية غالبة، يمكنها من إنهاء وسحق الدولة الوطنية الناشئة، وتسيطر على مؤسساتها ودوائرها، وتختمها باسمها. حتى أضحت الدولة دولتها، أو دولة حزبها القائد والمهيمن. وهيمنة حكم الفرد. وكان الإلتباس واضحاً وضوح الشمس بين السلطة والدولة، وأصبح كل حديثٍ يجري عن الدولة ومؤسساتها وإداراتها في المخيال الشعبي، وبحكم فقدان البوصلة التي تؤدي إلى عدم معرفة التأصيل لمفهوم الدولة الحديثة ومؤسساتها وإداراتها، وعمق تجذّر ثقافة القهر والطغيان والاستبداد ودولته السلطانية، وهنا يختفي الحديث عن السلطة القائمة واستبدادها وطغيانها، وممارسات قهريتها على المواطنين، ويضمر حدّ التلاشي. ويتم تسليط أجهزتها الأمنية بكل أدواتها القمعية وفساد مؤسساتها ودوائرها. وعجزها ووهنها عن القيام بتحقيق متطلبات واستحقاقات التنمية.وكذلك التطوير والتجديث. وعندما تهاوت النظم المستبدّة أمام الإندفاعات الشعبية والثورات الشبابية في معظم بلداننا العربية، وسقطت بشكلٍ عملي مشروعيتها القومية أو الثورية التي نشأت من أجلها ومن خلالها. وتراجعت قبضتها الأمنية الحديدية التي كانت تخنق أعناق الشعب، وتعمل على لي عنق العقل التحرّري. وجدت جموع الشعب أنفسها جماعاتٍ دينيةٍ مذهبيةٍ وطائفيةٍ ، وإثنية بلا هوية وطنية جامعة مانعة ،وبلا دولة. وأصبح ملايين من المواطنين مشردين ولاجئين ومهجرين بلا وطن .
لقد ساهمت ثورات الحرية والكرامة والعدل والمساواة في فتح فصولاً جديدة ً في تاريخنا الحديث والمعاصر، وفرضت بقوتها على الجميع إعادة النظرمن جديد بالدولة الوطنية، وبمفهوم الدولة والديمقراطية، والدولة العلمانية، ومنظومة الحقوق العامة والخاصة، وفتحت الفضاء العام الواسع للتداول العمومي حولها، ومكّنت العديد من أدوات الميديا ومنها وسائل التواصل الاجتماعي (الفضاء الأزرق)، وثورة الاتصالات الهائلة من توسيع هذا الفضاء أمام الجميع دون استناء، للمشاركة في تدبير شؤونهم ومصالحهم العامة ،ومحاولة تحقيق طموحاتهم وأهدافهم ومراميهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية ،أو المذهبية ،أو العرقية (الإثنية)، أو الظروف المحيطة بهم من كلِّ صوبٍ وحدب، فإن متابعة توسيع هذا الفضاء، الذي يشكِّل مقدِّمةً هامةً وضرورية لبناء الدولة الوطنية، يمر اليوم عبر استعادة السياسة ومآلاتها ،ووقف الحرب والاحتراب الداخلي الذي اتسم بالدموية، فلا سياسة مع الحرب إلا متابعة الحرب بوسائلَ أخرى،غير النار والبارود. في حين أن المرجوَّ والمأمَّل هو استعادة السياسة وأدواتها التفاوضية والحوارية بحرّيةٍ غير منقوصة ،وعلى أسس ديمقراطية ،ونفي الحرب على الرغم من محاولات رفض الفكرة من قِبَل الدولة والسلطة الحاكمة في مثل تلك الظروف، ونفي الحرب لا يتحقق إلا بنفيها من السياسة والمدنية، والثقافة العامة، ومن نفوس البشر وأخلاقهم ومعتقداتهم وطموحاتهم وأهدافهم وتطلعاتهم .

المصدرالكاتب للمركز الفلسطينى الأوروبى للإعلام
عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق