معين بسيسو ماياكوفسكي الشعر الفلسطيني

2020-07-12T22:39:45+02:00
2020-07-12T22:43:26+02:00
شخصية الأسبوع
12 يوليو 2020آخر تحديث : الأحد 12 يوليو 2020 - 10:43 مساءً
معين بسيسو ماياكوفسكي الشعر الفلسطيني

معين بسيسو ماياكوفسكي الشعر الفلسطيني……. كتب راسم الندهون

                                             راسم المدهون

لم أعرف شاعرا مسكونا بالحياة كما كان معين بسيسو ، الشاعر والكاتب المسرحي وصاحب المقالة الأنيقة في العديد من الصحف والمجلات العربية والفلسطينية . هو بمعنى ما شاعر المغامرة الفنية في انتقالاتها وتنوع آفاقها ، وهو في الوقت ذاته إبن الكفاح الوطني منذ نشر قصائده الأولى في “جريدة الحرية” اليافاوية عام 1946 فلفت الأنظار في عمر مبكر .
معين بسيسو المولود في غزة عام 1926 هو إبن حي الشجاعية الشعبي والذي تنتمي له أغلب عائلات غزة المدينة الساحلية الجنوبية التي عرفت في تاريخها شخصيات عظيمة أبرزها وأكثرها حضورا إلى اليوم الأمام الشافعي ، وهو أيضا سليل عائلة تهتم بالعلم في شقيه الأكاديمي والثقافي . سأتذكر دائما أن معين بسيسو عاش حياة عريضة وعاش تناقضات تلك الحياة ، حلوها ومرها ، فكان الفتى الذي لم يعرف العوز في طفولته وصباه ، بل حظي بتعليم متقدم بدءا من “كلية غزة” المدرسة الثانوية المرموقة ، وصولا إلى “الجامعة الأميركية” في القاهرة بين عامي 1948 و 1952 .
أعوام الدراسة الجامعية تلك وضعت الشاعر الراحل في قلب الحياة الثقافية والسياسية المصرية في مرحلة صاخبة ، حافلة بالتطورات الكبرى وكان لافتا أن مجموعته الشعرية الأولى “المعركة” صدرت في القاهرة عام 1952 بالذات وحملت قصائد تواكب غليان الحياة المصرية آنذاك ضد الوجود البريطاني في مصر وخصوصا حركة الفدائيين المصريين ضد ذلك الوجود في منطقة قناة السويس . من يقرأ اليوم تلك المجموعة الشعرية المبكرة يجد قصائدها مكرَسة لتلك الحركة وبينها قصيدة مهداة الى شهيد تلك الحركة الفدائية “عباس الأعسر” الطالب في كلية التجارة بجامعة الإسكندرية .
“أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في السلاح”
هي لغة الفورة السياسية الكفاحية ، العاصفة والمباشرة والتي تحدق في الواقع فتراه في مدن العرب وفي بلاده فلسطين التي كانت تعيش الأعوام الأولى للنكبة الكبرى حيث ازدحمت مدينته غزة بمئات آلاف اللاجئين وانتشرت فيها وفي محيطها المخيمات التي سيعمل معين بعد ذلك معلما ومديرا في بعض مدارسها فيتفاعل مع مأساة تلاميذها الصغار في صورة يومية . معين بسيسو إبن تلك المرحلة المأساوية والناطق الشعري بآلامها والذي نهلت قصائده بعد ذلك من حلكة حياة أهلها :
“من لم تودع بنيها بابتسامتها
إلى الزنازين لم تحبل ولم تلد”
سيكتب معين بسيسو قصائد غاضبة في روحها وسيلحظ نقاد الشعر والأدب عموما حدَة النبرة ، وارتفاعها في التعبير عن مأساة العيش من جهة وعن رداءة الواقع السياسي من جهة أخرى ، فذلك الشاعر الفتى الذي تخرَج من الجامعة الأمريكية هو أيضا إبن الحركة الشعبية وأبرز رموزها في قطاع غزة ، وستأخذ حياته منذ تلك الأيام مصيره كله إلى الصعب والشائك فيعرف المعتقلات وخصوصا في “الواحات” حيث يتعرف هناك على أبرز رموز الكفاح السياسي المصري وجلهم من المثقفين والمبدعين وهي التجربة التي عاد الشاعر الراحل وحقق عنها كتابه الجميل والهام “دفاتر فلسطينية” فكان وثيقة سياسية وعملا نثريا حمل الكثير من ابداعه الفني .
بالمعنيين الفني والتاريخي كان الشاعر معين بسيسو من أوائل شعراء الحداثة في فلسطين وطليعة من انحازوا لقصيدة التفعيلة وهو الذي بدأ كما نعرف شاعرا كلاسيكيا التزم بحور الشعر العربي ، وسنرى مع مطلع ستينات القرن الفائت توجهه لكتابة أكثر طلاقة خصوصا بعد عمله كمعلم في العراق وتعايشه مع شعرائها وشعرهم بل وانخراطه في حياتهم السياسية . عمل معين بسيسو الشعري حمل – غالبا – ملمحين أساسيين الغضب والفن ، فهذا الشاعر الذي حرص على حضور قضية فلسطين وقضية التقدم العربي في شعره دأب في الوقت نفسه على تطوير أدواته الفنية والإرتقاء بها خصوصا وقد تناول في الكثير من قصائده موضوعات لم تكن مطروقة في الشعر الفلسطيني من قبل .
معين بسيسو المسكون بالحياة السياسية والإجتماعية كان من غير المستغرب أن يخوض بعد ذلك مجال الكتابة في أجناس أخرى فكتب المسلسلات الإذاعية والمقالة الصحافية والمسلسلات التلفزيونية ، لكن أبرز كتاباته خارج القصيدة الشعرية المفردة كان المسرح ، فرأيناه يحقق عددا من الأعمال المسرحية الشعرية أشهرها “مأساة جيفارا” و”ثورة الزنج” و”العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع” ، وقد عرضت تلك المسرحيات على خشبات المسارح العربية وحققت نجاحات كبرى وكرَسته كاتبا مسرحيا متميزا . كان لافتا في هذا السياق أنه لعب دور عبد الله بطل مسرحيته “ثورة الزنج” لثلاث ليال حين مرض الممثل الأصلي الذي كان يلعب الدور وهو الراحل عبد الله غيث .
في حياة معين بسيسو وانتقالاته الكثيرة رأيناه محررا في القسم الثقافي لجريدة “الثورة” السورية ومشرفا على صفحتها الأخيرة التي كان يعدها تحت عنوان “من شوارع العالم” ، ثم محررا في القسم الثقافي لجريدة “الأهرام” المصرية في مرحلة شهدت وجود توفيق الحكيم ونجيب المحفوظ في ذلك القسم ، ثم رأيناه كاتبا أسبوعيا في مجلات لبنانية مرموقة ، خصوصا “الأسبوع العربي” وكذلك في مجلة منظمة التحرير الفلسطينية “فلسطين الثورة” التي كان له فيها مقالة أسبوعية تحت عنوان “نحن من عالم واحد” ، وفي كل تلك المقالات كان يواكب الحدث من جهة ويطلق العنان لموهبته الفنية من جهة أخرى .
هو كذلك صاحب الرؤية الشجاعة لما يراه من سلبيات ، ففي صبيحة انعقاد “المؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين” في بيروت في أيلول 1972 هاله أن يرى أن أغلب أعضاء المؤتمر كانوا من غير الكتاب فكتب مقالة صارت شهيرة الى اليوم أطلق من خلالها سخريته اللاذعة من شعار المؤتمر “بالدم نكتب لفلسطين” فقال : قبل أن تكتبوا بالدم أكتبوا بالحبر” بل أنني أتذكر كيف لم يتمكن من النجاح في انتخابات ذلك المؤتمر وحين مازحته عن ذلك قبل صدور النتائج بقليل قال لي بسخرية طافحة بالألم : يا صديقي لو جاء المتنبي ذاته ورشح نفسه خارج قائمة الفصائل لرسب !!
عاش معين بسيسو أمينا لقناعاته السياسية والتزامه بها فشارك بجهد كبير في نشاطات اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا وعمل رئيسا لتحرير مجلة ذلك الإتحاد “اللوتس” وكان أحد نجوم الإتحاد وأبرز نشطائه فأطلق عليه بعض النقاد لقب “ماياكوفسكي” الشعر الفلسطيني وهو الذي كتب في المرحلة الأخيرة من حياته كتابه الشهير “الإتحاد السوفياتي لي” وصدر ضمن منشورات “دار التقدم” في موسكو .
في أبرز ما حققه الشاعر الراحل مواجهاته للأدب الصهيوني ، وقد رأينا ذلك في كتابيه الهامين “نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة” و”أدب القفز بالمظلات” وفيهما نظر تحليلي لحقيقة الصهيونية كحركة عنصرية لا جذور حقيقية لها في فلسطين وهي كتابة ابتعدت عن العاطفة والصخب والتزمت تقديم التحليل الموضوعي والقراءة العلمية والواقعية .
عاش معين بسيسو في قلب النار : خاض معارك السياسة قبل هزيمة حزيران 1967 وشارك في كفاح المقاومة الفلسطينية خصوصا في مرحلتها اللبنانية وخرج مع مقاتليها بالبواخر إلى تونس عام 1982 حيث حقق أهم انجازاته الشعرية التي أطلق عليها عنوانا بالغ الدلالة هو “القصيدة” وهي عمل طويل ألقاها في أمسية كبرى بالمشاركة مع الشاعر الراحل محمود درويش في لندن :
سفر سفر
موج يترجمني الى كل اللغات وينكسر
سطرا سطر
سفر سفر
سفر كلاب البحر أشرعة السفر
وطن يفتش عن وطن
زمن زمن
زمن تكون به وحيدا كالفراشة في سحابة
يا من يسلمني بأشرعتي وأجنحتي
لسكين الرقابة
تحيا الكتابة
تحيا الرقابة
يحيا على فمي الحجر
سفر
سفر”.

لندن التي شهدت نجاحه الشعري الأكبر كانت هي أيضا محطته الأخيرة في حياته العاصفة والمزدحمة بالكفاح والتنقل ، فالشاعر الذي خرج من غزة شابا لم يتمكن من العودة اليها حيث فارق الحياة في غرفة بأحد فنادق العاصمة البريطانية وحيدا مغتربا عن وطنه وعن أهله الذين كافح طيلة عمره لأجلهم ولأجل تحقيق العدل والحرية لهم .

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق