مثقفون مستبدّون ودكتاتوريون ، رواد (اليجيبيات) و (الينبغيات)،،،بقلم : عماد خالد رحمة

22 أكتوبر 2021آخر تحديث : الجمعة 22 أكتوبر 2021 - 12:04 مساءً
مقالات وآراء
مثقفون مستبدّون ودكتاتوريون ، رواد (اليجيبيات) و (الينبغيات)،،،بقلم : عماد خالد رحمة

في سياق بحثنا عن المثقفين وأدوارهم ومهامهم وأهدافهم يبرز لنا السؤال التالي : هل كل المثقفين مستبدون ودكتاتوريون ونرجسيون ؟ بالتأكيد لا، هناك منهم مَن يؤمن بحرية الرأي، وحرية التعبير ،ولا يتمسك بموقفه حتى النهاية، ويملكون عقلاً منفتحاً متوهجاً إنسانياً ووطنياً.ولكن الكثيرين منهم لا يتسمون بكل تلك الصفات (الملائكية) الأنقياء التي يطلقونها على أنفسهم ويتغنون بها ، لأنَّ مواقفهم تتناقض مع الحقيقة وطوباوية يصعب تجسيدها على أرض الواقع.
من المؤكّد أنَّ كثير من المثقفين قد لعبوا دوراً كبيراً وهاماً في الحياة الثقافية والفكرية والسياسية والوطنية والقومية بشكلٍ إيجابي . وما أوردته في العنوان يخص الكثيراً مما لعبه بعض المثقفين والنخب الثقافية، كمنظرين وكأبواق دعائية لأنظمة دكتاتورية شمولية ،وفاشيات عسكرية ،ومافيات حاكمة وطغاة مستبدين، وهنا أقصد النظرة الاستعلائية لدى جماعات من المثقفين تجاه الجمهور الواسع، وتجاه الشعب الذي يرزح تحت هيمنة السلطات الجائرة ، باعتباره كتلة من الغوغاء والدهماء والهمج، حيث لا عقل ولا حكمة ولا علم لهم ! وكذلك المركزية الذاتية التي تتصف بها أفكار وآراء تلك الجماعات ومواقفها إزاء باقي المثففين من التيارات الفكرية الأخرى ، التي ربما لها دور إيجابي في الحياة العامة للشعب. حيث نعنبر أيضاً نظرة انعزالية ودوغمائية ،وغارقة في أعماق الأنا الشخصي، ومن ثم فهي مناقضة كل التناقض للعقل، وغير ديمقراطية على الإطلاق. في الحقيقة الماثلة أمامنا ومتجسدة فعلياً على أرض الواقع نرى أنَّ المثقفون من هذا النوع يصورون أنفسهم كداعية للديمقراطية والحوار، والدفاع عن الرأي الآخر،ويرفع الكثير من المثقفين مقولة الكاتب والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري آروويه (François-Marie Arouet)‏ :ويُعرف باسم شهرته فولتير الذي يقول : (أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقّك في التعبير عن رأيك). أو يردّدون باستمرار عبارة : (الخلافُ في الرأي لا يُفسِدُ للودِّ قضية) ، في هذا السياق وبعيداً عن الصورة النمطية التي يروجها المثقفون عن أنفسهم ،وبعيداً عن الشعارات الممجوجة التي يرددونها دائماً بمناسبة وغير مناسبة ، نتساءل : هل كان الواقع الفعلي للمثقفين على هذا النحو؟ أي هل كان المثقف دائماً منحازاً لحرية الرأي والتعبير مها اختلفت عن قناعاته؟
فنحن ندرك تماماً أنَّ الدكتاتورية هي اتهام يواجه المثقف العربي باستمرار من قِبَل الكثيرين في مجتمعاتنا العربية على اختلاف مشاربها وثقافاتها ، وربما يعود ذلك إلى ادعاء المثقف أنه يمتلك الحقيقة الكاملة وحده عندما يناقش موضوعاً فكرياً ،أو ثقافياً ،أو سياسياً ،أو علمياً ،أو اقتصادياً ، ولا يستمع إلى الآخر بأذن واعية ، بل يغلق أمامه كل السبل، ويُصِرُّ على رأيهِ، ويمارسُ أكثر حالات الاستكبار والنرجسية والتطاوس.
إنَّ التجارب العميقة التي نعرفها عن تاريخ المثقفين ،تؤكد لنا أنهم لم يكونوا في كل الأحوال مع حرية الرأي، وحرية التعبير، بل وقفوا كثيراً ضد الحوار الجدي البنَّاء ،ولدينا الكثير من تلك النماذج ، والمواقف المعبرة والمتنوعة، بداية من لغة التهميش والإقصاء في الأدب والنقد بين مختلف التيارات الأدبية ،ومعارك الصراعات التي دارت في هذا الإطار، وليس نهاية بالتعاون مع أنظمة فاشية ودكتاتورية وحكام طغاة ،والترويج لأفكارها، ومروراً بشعور يهيمن على بعض المثقفين بالاستعلاء والتكبُّر والنرجسية على البسطاء، أو ما يُطلق عليه تخفيفاً (النخبوية). الذين يسكنون الأبراج العاجية .هذا من جهة .
من جهة ثانية ،لا يمكننا في هذا السياق إغفال دور الأنظمة الحاكمة الظالمة ضد المثقفين .ففي الأنظمة الشمولية يمارس الحكام الطغاة سطوتهم وهيمنتهم ضد المثقفين المعارضين ،حيث يكون مصيرهم السجن والعذاب .يقول الفيلسوف والمفكر الألماني الأمريكي هربرت ماركوزه أو ماركيوز (1898 – 1979) (Herbert Marcuse)‏، المعروف بتنظيره لليسار الراديكالي وحركات اليسار الجديد في كتابه (نحو ثورة جديدة) : ( موتُ المثقَّفِ يكمن في تخلّيه عن وظيفتهِ المتمثلة في تحرير الوعي مِن الأوهام، ورفض الأوضاع السائدة. إن مهمّة المثقف هي صون الحقيقة من الضَّياع، المثقف هو مَن يرفض التسويةَ مع الفئات المسيطرة الطاغية).
المفكر الألماني هربرت ماركوزه وهو يتحدّث عن دور المثقف، لم يخطر بباله أن تكون محنة المثقف في بلداننا العربية التي باتت توصَف بالدولةِ الفاشلة ،أوالدولة الهشّة الضعيفة ،أن تكون تلك الفئات المسيطرة هي قوى ما قبل الدولة،وفي الوقت نفسه تفرض سيطرتها وسطوتها على الكيان السياسي الذي نعيش فيه! ومن هنا لم تعد محنة المثقف في مواجهة الحكومات الدكتاتورية والحكام الطغاة فحسب، وإنما تكون المحنة أكثر تعقيداً عندما تعيش في واقع اللا دولة المرير والقاسي .والمتأصِّلة في الأنظمة الدكتاتورية ،والأنظمة الشمولية حيث تكون عقوبة المثقّف الناقد والمتمرّد واضحة وصريحة، فهي تتنوع بين القتل بتهمة التآمر على الدولة، أو يُغيَّب في أقبية السجون المظلمة، أو يختار المنفى وطناً آخر. أما في الحكومات التي تأخذ شرعيتها من قوى اللادولة والفوضى وفقدان القوانين والتشريعات الناظمة للشعب ومتطلباته ، ولا سيّما عندما يكون لتلك القوى حيازة الشرعيّة السياسية عن طريق الانتخابات، وتملك في الوقت ذاته سلاحاً وسطوة خارج نطاق الدولة! يكون الانتقاد أو الموقف الصريح من هذه الازدواجية هو مواجهة مصير مجهول. وجميع المثقفين يعرفون هذا المصير القاسي والمر. وذلك العقاب الذي من الصعب أن يتحمله الإنسان من الشبح والسحل وقلع الأظافر ووو,,, إلخ.
في الديمقراطيات الهشّة والضعيفة،التي تتحكم بها قوى اللا دولة، يكون المثقف إزاء محنة أكثر تعقيداً وصعوبةً من محنة المثقف مع الحكومات الدكتاتورية، إذ في الدكتاتورية وأنظمة الطغمة الحاكمة يكون الموقف محصوراً بين ثلاث خيارات: الهروب، أو الانعزال، أو التبعية للسلطة. أما في الديمقراطيات الهشّة فالمحنة تكون مركّبة وأكثر تعقيداً.
لكننا ندرك بأنَّ معظم مثقفينا الآن ليسوا أيديولوجيين، وقد تكون هذه إيجابية، لكنّها سلبيّة في اتجاهٍ آخر ،لأنَّ الكثير من دعاة الثقافة باتوا غير ملتزمين مبدئياً ، ولا نعرف لهم أي نوعٍ من الالتزام المبدئي يسيرون عليه، وتحوَّلوا إلى (مثقفٍ سائل)ـ أي مثقف متسوِّل ـ يتحوَّل موقفَه حسب متطلبات العرض والطلب من السلطات الحاكمة والطغاة ، سواء أكان من قبل السلطة أو قوى اللادولة التي تحكم من خلال سياق العصابة والمافيا .ومن ثمَّ بات المثقف العربي غير الملتزم بقضايا شعبه ووطنه وأمته ولا بمبادئ النخبوية، يجد في التقرّب من السّلطةِ الحاكمة فرصةً لتعزيز موارده الماليّة أومكانته الاجتماعية أو كلاهما معاً .
قد يتهمنا البعض بالقسوةِ أو جلد الذات، عندما نقوم بعملية نقد التحوَّل في مواقفِ المثقف، فنحن نستقرء منهجه ومسلكه ومراميه وأهدافه ، ونتتبعها خطوةً ، خطوة. فنجده ينتقل مِن موقف إلى آخر نقيض لما يدعوا إليه، كما يحدث في بلداننا العربية ، ويكون كلّ هدف المثقف الدخول في منظومة السلطة الحاكمة والتحوّل من ضمن حاشيتها، ليس لمشروع ثقافي أو سياسي بعينه ، وإنّما لإرضاء الغرور الذاتي ولتلميع صورته أمام الجميع. أي أمام السلطة والشعب ، أو أنه يجب أن تكون له حصة من مغانم السلطة الحاكمة تحت تبرير معيار القدرة والكفاءة. وعلى الرغم من ذلك لا يريد أن يتم انتقاده لأنه يبقى مثقفاً حتى وإن تحوّل إلى ذيلٍ ومدّاح ومداهن لمن هم في السلطة. سواء أكان النظامُ دكتاتورياً يمارس كل أشكال الطغيان، أو نظاماً سياسياً عنوانه (ديمقراطية) وواقعه بعيد تماماً عن الديمقراطية، بل هو واجهة لمافيات وعصابات سياسية تهيمن عليه قوى اللادولة.
إن تعاون بعض المفكرين مع النازيين والأنظمة الديكتاتورية الطاغية معروف لنابشكلٍ جيد . فقد قرأناه بعمقٍ شديد ، أما وصف الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع الثقافي جان بودريار Jean Baudrillard لأحداث 11 أيلول عام 2001م بأنّه (حلم تحقق) فيحتاج إلى مراجعات شتى، فمهما كان الموقف من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، فهل يجوز وصف ذلك العمل الإرهابي بالحلم؟ وهنا ربما يرى البعض أن نفي الآخرين وتهميشهم ،والأدلجة المفرطة ،والتشبث بالقناعات هي سمات لمثقفين ينتمون إلى أقصى اليمين ،بل وحتى اليمين المتطرف ،ولكن ماذا عن أجيال من المثقفين اليساريين الذين رفضوا كل من لا يؤمن بأفكارهم؟ وكيف نصنف الفيلسوف الفرنسي جان بودريار نفسه؟ بل كيف نصنف فلاسفة نظّروا للأفكار الإقصائية؟ نحن ننسى دائماً عندما نتحدث عن الثقافة والمثقفين بـ (صورة وردية) وصورة لمّاعة ،أنّ أكثر الأفكار تطرفاً ذات خلفية ثقافية، ورسختها أسماء ينظر إليهم الكثير منا بوصفها قامات في تاريخ الفكر الإنساني ولا يجوز تجاوزها .
وإذا تركنا المواقف الحقيقية الواضحة والمعلن عنها، وانتقلنا إلى اللغة وأسلوبها ومنهجها في التعبير،وهي أداة التأثير الخفي القوي الذي يتسلل بقوةٍ إلى لا وعي القارئ، سنجد أن قلة من المثقفين هي من تكتب بلغةٍ ديمقراطيةٍ. حواريةٍ تختفي فيها تعبيرات الجزم والتوكيد وفرض الآراء والمفاهيم، بينما تهيمن لغة أخرى تمتلئ بمفردات الكاتب العليم بكل شيء، وبخفايا الأمور حيث يعتبر المثقف نفسه الأكثر قراءةً وإطلاعاً ومعرفةً، والأوسع تجربةً، هنا ستصادفنا فكرة (اليجيبيات) و(اللزوميات) و (الينبغيات) التي تصدم الكثيرين والغير قادرين على الرد.
واستخدام كلمات مثل : (يجب) ،(ينبغي)، و(من المعروف)، و( لازم ) و(لا بدّ)، هي لغة تقنع القارئ بأنَّ ما يقوله المثقف هو الحقيقة الوحيدة ،ووجهة نظره هي وحدها الصائبة، والحقيقية التي عليه الأخذ بها دون غيرها ،وهي لغة بالمناسبة تنتشر حتى بين من يصفون أنفسهم بالمثقفين الليبراليين، ويستخدمها أيضاً معظم الكتّاب ممن لا يصنفون أنفسهم كمثقفين .مع العلم أنَّ مفهوم المثقف لا يزال ملتبساً وغير واضح ، خاصةً في الساحة العربية ،وذلك يعود إلى تأثر الجميع بمثقفين لا يتركون في كتاباتهم مساحة للقارئ لكي يناقش أفكارهم أو يراجعها ، أو يعترض عليها حتى بينه وبين نفسه فكيف مع الآخرين!!!.

المصدر : الكاتب للمركز الفلسطيني الأوروبي للإعلام

عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق