لماذا أوكرانيا؟ ، وأين يكمن أساس المشكلة؟ كتب المحلل السياسي فهد جبريل

1 مارس 2022آخر تحديث : الثلاثاء 1 مارس 2022 - 9:19 مساءً
مقالات وآراء
لماذا أوكرانيا؟ ، وأين يكمن أساس المشكلة؟ كتب المحلل السياسي فهد جبريل

الجزء الاول….

لماذا اوكرانيا؟

عندما نعيد شريط الاحداث في اوكرانيا الى عام 2004 ، و نعيد قراءة ما كتبة بريجينسكي في كتابه عن اهمية اوكرانيا في استراتيجية الولايات المتحدة في مواجهة روسيا الصاعدة ، يأتينا الجواب على لسان مهندس الاستراتيجية الامريكية في ذاك الوقت::
( بدون اوكرانيا لن تستطيع روسيا العودة مرة اخرى كقوة عظمى، و لن تتمكن من استعادة نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق في المنطقة، لذا علينا ان نضمن ان تكون اوكرانيا دائما موالية لسياستنا حتى لو كان ذلك يعني ضمها الى حلف الناتو ),
منذ ذلك التاريخ و الولايات المتحدة الامريكية تسعى جاهدة بكل الوسائل المتاحة ، بما في ذلك تدبير الانقلابات و فبركة الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد و الفاسدين في اوكرانيا ، رغم ان هؤلاء الفاسدين لم يتمكنوا من ممارسة فسادهم دون دعم و تغطية من سفارة الولايات المتحدة الامريكية في كييف،
بل وصل فيهم الحد الى فبركة الثورات الملونة و دعم الاحزاب اليمينية المتطرفة ذات التوجهات النازية، و تسهيل مشاركتهم في الانتخابات البرلمانية و حصولهم على اكثر من 30 مقعدا في البرلمان الاوكراني، مما دشن مرحلة جديدة في تاريخ اوكرانيا الحديث،
تصاعدت بشكل متسارع الاحداث في اوكرانيا لتنتهي بشكل مؤقت بانفصال جزء من المقاطعات الشرقية حيث تقطن الاغلبية السكانية الناطقة باللغة الروسية، و سيطر القوميون اليمينيون و حلفائهم من النازيون الجدد مع خليط من مؤيدي الرئيس الحالي المدعوم من دوائر الدولة العميقة في امريكا،
ورغم التناقض في الاساس الفكري و الايديولوجي و بالتالي السياسي لهذه المجموعات، الا انهم التقوا في نقطة واحدة هي الخضوع لاوامر و تعليمات السفارة الامريكية في كييف، و بالتالي تعاونهم معا لمحاربة النفوذ الروسي في اوكرانيا و بسط النفوذ الغربي بشكل كامل, و اذا اقتضت الحاجة رفع وتيرة هذا التصعيد ليصل الى مرحلة الاشتباك المسلح مع القوات العسكرية الروسية على الحدود الشرقية لاوكرانيا حيث مقاطعتي الدونباس اللتان اعلنتا استقلالهما عن دولة اوكرانيا و تأسيس جمهورتين مستقلتين من طرف واحد دون اعتراف دولي و لا حتى روسي ( في تلك الفترة) ،
ان التقارب الروسي الصيني و الذي توج بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية لمدة 25 سنة ، اعقبها معاهدة استراتيجية اخرى مع الهند، و اخرى مع ايران ، و تفعيل حلف بريكس مع عدد من الدول الاخرى مثل البرازيل و جنوب افريقيا ، كل هذه التطورات اثارت حفيظة الولايات المتحدة الامريكية ، حيث كانت تعتبر حتى تلك اللحظة ان التهديد الاساسي يأتي من الجبهة الصينية فقط ،
توجت هذا الاحداث المزعزعة لقيادة امريكا العالمية ، بتنفيذ مشروع الغاز الروسي – الاوروبي نورد ستريم 2 ( السيل الشمالي ٢) الذي اعتبرته امريكا تهديدا مباشرا لنفوذها و سطوتها على دول الاتحاد الاوروبي و خاصة المانيا .
و بالتالي اصبحت المعادلة القائمة على اساس القطب الواحد عالميا غير صالحة ، و بات الاعتراف بوجود عدة اقطاب مسألة وقت ، و لا نقصد فقط القطب الصيني، بل ايضا القطب الروسي ، و اذا استقرت الامور على ذلك فهذا سيفتح شهية دول اوروبية اخرى مثل المانيا و فرنسا على المزيد من الاستقلال عن القرار الامريكي ، خاصة بعد خروج بريطانيا من معاهدة الاتحاد الاوروبي ،
ان تصريح الرئيس الفرنسي عن الموت السريري لحلف الناتو و مطالبته باقي دول اوروبا بالعمل على تشكيل قوة دفاع اوروبية مستقلة، كان المؤشر الابرز على انحسار و تراجع نفوذ سيطرة امريكا على دول الاتحاد الاوروبي و اقتصاده، مما سيشجع المانيا و فرنسا ايضا على بلورة قطب عالمي جديد ( اوروبي) بهامش استقلالية كبير عن القطب الامريكي،
امام هذه المعطيات و التطورات دق نافوس الخطر في واشنطن، وتحركت على الفور دوائر القرار الامريكي لمحاصرة الموقف، فهاجمت مشروع الغاز نورد ستربم 2 و لوحت بفرض عقوبات على كل من يتعاون مع روسيا من الدول الاوروبية في هذا المشروع، و فعلت خطة التحضير لثورة ملونة في بيلاروسيا بهدف تغيير النظام السياسي الموالي لروسيا، و فعلت من مطالبة اوكرانيا الانضمام لحلف الناتو، كل هذا بهدف كبح جماح التغلل الروسي في اوروبا ،
و بدأت بتحريض الشارع الاوكراني على روسيا ، و عملت على الدخول من باب المساعدات العسكرية للجيش الاوكراني من حيث التسليح و التدريب، و تولت بريطانيا مهمة الحملة الاعلامية المكثفة بهدف شيطنة روسيا و اختلاق القصص و الفبركات عن نية روسيا غزو اوكرانيا ،
و عندما فشلت خطتها بالثورة الملونة في بيلاروسيا، و عدم قدرتها على وقف مشروع الغاز، انتقلت الى مرحلة الاعداد للاشتباك المباشر بين القوات الاوكرانية مع الجيش الروسي بحجة تحرير الاراضي الاوكرانية من ( الانفصاليين ) المدعومين من روسيا على الحدود الشرقية لاوكرانيا،
و بدأت امريكا و بريطانيا فعلا بفتح معسكرات تدريب و تسليح للجيش الاوكراني ، و عملت على تشكيل و تجهيز مليشيات عسكرية من النازيون الجدد و القومييون اليمينيون ،
حتى انها عهدت الى اسرائيل المشاركة في جزء من هذا البرنامج،
و انجرت تركيا الى الحملة عبر بيعها اسلحة مختلفة لاوكرانيا و اهمها الطائرات المسيرة بيرقدار،
كما عمدت امريكا الى تسريب اسلحة متطورة فتاكة بما فيها صواريخ باليستيه من ترسانة حلف الناتو،
بالمحصلة اصبحت اوكرانيا جزءا من حلف الناتو بشكل عملي دون توقيع الاتفاقية الرسمية، و على مدى الاسابيع الاخيرة، عمل البيت الابيض و حكومة جونسون البريطانية على اطلاق حملة من الاشاعات و الاكاذيب حول نوايا روسيا المبيته في غزو روسيا ، و عمدت المجموعات الاوكرانية المتطرفة الى افتعال الاشتباكات و الاحتكاك العسكري على الحدود الشرقية مع روسيا ، كل ذلك على امل جر روسيا الى المعركة،
و بدأت ملامح الكمين تتضح اكثر فاكثر ، و معه بدأ يظهر التضارب في الرواية الاوروبية بين دولة و اخرى، و الارتباك في مواجهة ما يحصل ، فالولايات المتحدة كعهدها دائما، اخفت الكثير من التفاصيل عن ( حلفائها) الاوروبيين فيما يخص خططها و نواياها تجاه روسيا، و لم يشاركها في هذه التفاصيل سوى حليفها الموثوق بريطانيا.
ان استشعار روسيا للخطر الداهم وضعها اما خياريين احلاهما مر،
اما القيام بخطوات استباقية لتدمير عناصر الخطة الانجلو- ساكسونية في مهدها و مواجهة احتمالات المواجهة المفتوحة مع حلف الناتو مجتمعا، بما فيها العقوبات الاقتصادية، او انتظار ان يقوم الطرف الاخر عبر ادواته المحلية الاوكرانية بخطوته الاولى و من ثم الرد عليها،
و في كلتا الحالتين يبقى احتمال المواجهة الشاملة عسكريا و اقتصاديا و سياسيا قائما،
ان ايجابيات السيناريو الاول الوحيدة هي اخذ المبادرة قبل ان يستكمل الطرف الثاني كافة استعداداته و كسب عنصر المباغته و المفاجئة، و هكذا كان،
تدخل روسيا حلبة الصراع الحالية و هي مسلحة باتفاقيات بريكس، عضوية منظمة الامن الجماعي ( التي اجتازت امتحان قدرة كبير في ازمة كازاخستان الاخيرة) ، التحالف الاستراتيجي مع بيلاروسيا و الذي يسمح لها نشر انظمة دفاع استراتيجية ، الاتفاقية الاستراتيجية مع الصين، اتفاقيات تعاون استراتيجية مع الهند و ايران و غيرها من الدول في قارة اسيا و امريكا اللاتينية, و فوق ذلك كله مستوى عالي من الاستقرار السياسي و الاقتصادي المحلي في روسيا الاتحادية ،
في المقابل ، يعاني الطرف المقابل من اثار الهزيمة المعنوية الكبيرة على اثر الانسحاب من افغانستان، و تراجع في النفوذ و انسحابات متتالية من منطقة الشرق الاوسط، تراجع في وتيرة النمو الاقتصادي الامريكي و البريطاني ، مستوى غير مسبوق من التضخم ، فشل متواصل في السيطرة على الملفات الساخنة في العديد من دول امريكا اللاتينية، فقدان ثقة معظم شراكائهم الاوروبيين خاصة بعد الاعلان عن الحلف الانجلو – ساكسوني الجديد مع استراليا و كندا،
ان محاولة امريكا استعادة جزء من هيبتها الدولية و استعادة سيطرتها على حليفها الاوروبي عبر تفعيل الية التعاون العسكري من خلال حلف الناتو الذي وصل الى حالة من الشلل، و عودتها الى الخطة القديمة في مواجهة روسيا الاتحادية عبر البوابة الاوكرانية التزاما بنصحية بريجينسكي يحمل في طياته العديد من الاحتمالات و المخاطر،
واذا اعتقدت امريكا انها قادرة على بدء الحرب في مكان ما من هذا العالم، فهذا لا يعني مطلقا انها قادرة على تحديد متى و كيف ستنتهي هذه الحرب، و هي ليست قادرة بالضروروة على ضمان تحقيق اي من اهدافها .
ربما نشهد تفكك الولايات المتحدة الامريكية الى عدة دول بدلا من خطتها في تفتيت روسيا الاتحادية الى دويلات صغيرة كما فعلت مع حلفائها الاوروبيين على تفتيت جمهورية يوغسلافيا السابقة الى دويلات صغيرة،،،

الحزء الثاني ….

اين يكمن اساس المشكلة:

رغم مرور اكثر من ثلاثين عاما على انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي و دخول امريكا و الدول الاوروبية الى السوق الروسي كالفاتحين على شكل استثمارات و فروع لشركات متعددة الجنسيات و ضمانات من القيادة الروسية انذاك بالتخلي عن النفوذ الروسي السابق في دول اوروبا الشرقية و خاصة المانيا الشرقية بما سمح باعادة توحيد المانيا ، الا ان هذه التحولات لم تكن كافية لرفع اسم روسيا ( كعدو اول في المنطقة) من عقيدة حلف شمال الاطلسي،
و بقيت امريكا و بريطانيا و فرنسا تتعامل مع روسيا الاتحادية على الارض كعدو للحلف ،
لفهم اسباب ذلك يجب ان نفهم ان عقيدة حلف شمال الاطلسي ( الناتو) تقوم على تحالف الانجلو – ساكسون مع شعوب اوربا اللاتينية ( بشرط ان تكون القيادة للانجلو – ساكسون، وباقي شعوب اوروبا تابع لها) و في ذات الوقت استمالة دول اوروبا الشرقية عبر اتفاقيات مكبلة لاقتصادها و قرارها السياسي و رشوة النخب السياسية الحاكمة لضمان اخلاصها لقيادة هذا الحلف لان هذه الدول تشكل الطوق المطلوب تطويره لاحكام السيطرة على روسيا الاتحادية و منعها من اعادة بناء نفسها كقوة عظمى من جديد و بالتالي قطب عالمي جديد منافس لاحادية القطب الانجلو – ساكسوني،
و هذا ايضا ما يفسر ضغط الدوائر الحاكمة في امريكا ( الدولة العميقة) لانسحاب بريطانيا من معاهدة الاتحاد الاوروبي، و لاحقا العمل على تشكيل حلف عسكري – امني- اقتصادي من الولايات المتحدة الامريكية و بريطانيا و كندا و استراليا،
هذا الحلف الموازي لحلف الناتو و الذي يمكن ان يشكل بديلا عنه في حالة تطورت الاوضاع في اوروبا باتجاه تفكك حلف الناتو او انسحاب بعض الدول الاوروبية التي ما عادت تجد جدوى من بقاءه.
ان الهوية الانجلو – ساكسونية لهذه التحالفات الجديدة اصطدمت بتطور معادلة التحالف الصيني – الروسي وتحولها الى معاهدة تعاون استراتيجي، اضافة الى بروز قوى اقتصادية واعدة في جنوب شرق اسيا مستقلة نسبيا عن دائرة النفوذ و الضغط الامريكي – البريطاني،
هذه التطورات سمحت لروسيا باعادة طرح نفسها كشريك للاتحاد الاوربي بدلا ان تكون منافسا له، و طرحت مرة اخرى ضرورة اعادة النظر في جوهر العلاقة الروسية الاوروبية و مرتكزاتها الفكرية من قبل اهم اعضاء النادي الاوروبي ، المانيا و فرنسا و ايطاليا و غيرها، خاصة في ظل تشابك و تداخل المصالح مع الطرف الروسي في ملفات ساخنة و ناشئة في مناطق اقليمية متعددة مثل القارة الافريقية و اسيا .
استشعر الحلف الانجلو- ساكسوني هذا الخطر و استنفرت دوائر القرار الامريكي علاقاتها مع النخب السياسية الاوروبية و شنت حملة شعواء على كافة اشكال التعاون الروسي – الاوروبي و التحذير من نوايا روسيا بالتمدد مرة اخرى شرقا ، امام هذه التطورات في الخارطة الجيوسياسية كانت اوكرانيا المرشح الامثل لانطلاق هذه الحرب الجديدة ، فالعلاقات الروسية – الاوكرانية سيئة جدا و هناك اشتباك على الارض منذ عام 2014 ، المناخ العام في اوكرانيا جاهز و مستعد للتجاوب مع التحريض الامريكي، التحالف بين القوميون المتطرفون و النازيون الجدد و احزاب العولمة ( اتباع سوروش) و غيرهم الذين اصطفوا في خندق واحد ضد ما يسمونه ( العدو الروسي), طبعا كل ذلك بتعليمات مباشرة من السفارة الامريكية في كييف التي اخذت خطوة الانتقال الى مدينة في غرب اوكرانيا قبل اسابيع من بدء العمليات العسكرية في اوكرانيا ، مما يطرح مجموعة من علامات الاستفهام حول نوايا امريكا و بريطانيا المخطط لها مسبقا لجر روسيا الى اشتباك عسكري في اوكرانيا ، مما يشكل سببا كافيا لاعادة توحيد الموقف الاوروبي في اطار حلف الناتو تحت قيادة الحلف الخاص الانجلو – ساكسوني، و دفع الاتحاد الاوروبي الى اتخاذ موقف موحد لمعاقبة روسيا و تنفيذ الخطة الامريكية الاساسية في محاصرتها و شل اقتصادها و تعطيل تحالفها الحالي مع الصين ،
ان تصريحات رئيسة الاتحاد الاوروبي حول استبدال الغاز الروسي بالغاز الامريكي ، و اتخاذ قرار بتعليق نظام سويفت مع البنك المركزي الروسي و عد. من البنوك التجارية تلخص هذه التصريحات و الاجراءات جوهر الاهداف الامرريكية من الجولة الجديدة من الحرب الساخنة مع روسيا،

عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق