كتبت الأديبة التونسية نجيبة بوغندة Nejiba Boughanda

2019-12-30T15:35:57+02:00
مجلات وكتب
30 ديسمبر 2019آخر تحديث : الإثنين 30 ديسمبر 2019 - 3:35 مساءً
كتبت الأديبة التونسية نجيبة بوغندة Nejiba Boughanda

كتبت الأديبة التونسية
نجيبة بوغندة
Nejiba Boughanda

قصة قصيرة بعنوان : (زهرةُ المدائنِ) .

عادَ إلى منزله راكضاً يملأ الانشراح صدرَه الصّغير يَحدوه أملٌ رسمته له نتائجه الباهرةَ بعد أن تسلّم اليومَ بطاقةَ أعداده… كان كالفراشةِ في ألوان أحلامه البادية على وجنتيه المتورّدتين بألوان تلك الأحلام التي يراها تبدو قادمةَ من وراء تلال وطنه فلسطين…
_سأصيرُ مهندساً يا أمّي بإذن الله…سأجعل من وطني زهرةَ المدائن.

_ستكون صرحا يزيّن جبينَ بقيّة المدائن يا ولدي…ستكون زهرةً يضوّع عطرها أينما انتثر…

ألقى محفظته على عتبة الدّار وقال :

_سأخرج لأدفع ثمن هذه الزّهرة الغالية…لا تجزعي سأعود بسرعة يا أمّي…

_لا تُبطئ يا جهاد فغداؤك جاهز و هديّة نجاحك بين جنباتي ترقُبك…

تناهى إلى سمعها صوتُ الباب يُطبقُ و صدى قهقهاته يتردّد في ردهات المنزل لكنّها لم تسمع منه كلمةً…أطلّت برأسها المسكون بالخوف…خوف الأمّ على فلذة كبدها تشتاق إليه في كلّ لحظة شوقا يفوق التّصوّر…لم تجده فعادت تكمل شؤونها وقد تغيّرت سحنتها وتوارت بسمتها و تكدّر خاطرها.

انتظرته ساعات طويلة تدفع كوابيس عن مخيّلتها…قرعت الفناء جيئة و ذهابا كمن يُعبّد طريقاً…طال غيابه وطال انتظارها…خرجتْ و الهواجس تكاد تقضي عليها تأخذها كزهرة مفتّتة البتلات و تذروها بين التلال والصّحاري…كانت لا تكفّ عن سؤال كلّ من يعترضها تارة بذكر اسمه لمن يعرفه و طوراً بوصفه لمن كان عابر سبيل لكنّها تُقابلُ بالنّفي و إيماءة تقتل أملها…

تاهت بين الأنهج والأزقّة حتّى رأت جسمه من بعيد في دمائه يغرق…جرت نحوه بساقين لا تكادان تستجيبان لها…جثتْ على ركبتين واهنتين فوق جثّته المضرّجة بالأحمر القاني تحضنه ومن صدرها تُدنيه…تعصر بضمّته إليها ألما و تُسكتُ صرخةَ الأمِّ الملتاعةِ لتدوّي فتزلزل سكون المدائن التي لم يشأ القدر أن ترى النّور على يديْ مهندسها الحالم…انحنت تبكيه بدل الدّموع عطرا وتُهديه بالعطرِ مِسْكاً …لم تكفّ لحظة على لثم جبينه الوضّاح و حضن جسمه المسجّى و تهمس في أذنه :

_إنّي أرى زهرةَ مدائنك تلوح و يعلو صرحها.

_اهنئي بالا و قرّي عينا يا حبيبتي… فقد دفعتُ حياتي ثمنا لها فلا تيأسي فإخوتي من بعدي يكملون بناءها وتشييد صروحها.

_أردتُ أن أدخلَ زهرة مدائنك و أنا أتأبّط ذراعك و أمشي مرفوعة الرّأس بذاك المهندس البارع…

_انظري حولك فكلّ من في عمري هم ذاك المهندس الذي تتمنّين مرافقته فكلّ واحد منهم يحمل في راحته حجارةً و مطرقةً…

أعادت النّظر في جثّته النّائمة نوم الملائكةِ : بسمةٌ تعلو وجهه الصّبوح يكاد النّور يشعّ منه فيغرق الكون في ضوء دائمٍ وعطرٌ يضوع من كفنه النّاصع بعطر الشّهادةِ و عينان مقفلتان على حلمٍ يسكن القلبَ ينتظرُ صلاح الدّين ليعيد إحياءه و راحتان صغيرتان تحمل حجراً كأنّه الحنّاء تخضّب كفّيه…

ابتسمت أمه مودّعة نعشاً غادر يحمل عزيزاً و ألحقت ركبه بزغرودة شقّت صمتَ الحزانى تقول بإرادة لا تُقهرُ :

_بموتك تُفتح الجراحُ سنصبر و نحتمل أن نمشي فوق الجراح ونقتل فيها الألم ونصنع من قيحها أملا يطيبُ به عيشنا في زهرة مدائنك…

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق