قراءة إمبريقية في مفهومي الحرية والتحرر،، بقلم : عماد خالد رحمة

2021-10-07T14:03:21+02:00
مقالات وآراء
7 أكتوبر 2021آخر تحديث : الخميس 7 أكتوبر 2021 - 2:03 مساءً
قراءة إمبريقية في مفهومي الحرية والتحرر،، بقلم : عماد خالد رحمة

يتجلى المفهوم المركزي للحرية في إطاره الفكري وفي مسار تفرعه إلى مرجعيته الأساسية وهو الفكر الفلسفي الليبرالي ، حيث يكتسب معانيه وصيغه ودلالاته من جوهره ، أما التحرر فهو مفهوم نشأ وتكوَّن داخل مرجعية فكرية أخرى غير مرجعية الحرية . لأنَّ مفهوم التحرر نحى باتجاه مرجعية وطنية ،اجتماعية ، اشتراكية ،ولا يمكن البحث عن جذور وأصول أي منهما في الآخر .وذلك لاختلاف الجذور والأصول والمنابت ولأنَّ كلاً منهما يقترن بإشكالية خاصة به مختلفة ومتباينة في السياسة والاجتماع على وجه التحديد .نجد أنَّ معنى ذلك التقارب الاصطلاحي الكبير بين اللفظين، الذي قد يوحي بالتطابق والانسجام والترابط في المعنى بينهما، أو حتى بالمشابهة والمقاربة ،وليس قرينة على قرابة واضحة ،أو قرابة دلالية ما بين مفهومين يسيران في طريقين متمايزين .
من هنا يمكننا التمييز بين الحرية والتحرر ابتداءً من باب التحديد العام الذي ينصرف إلى بيان وضع كل منهما. فمفهوم الحرية في هذا النوع من التحديد والتعيين ، حالة هي تلك التي ينبت فيها ويتولد منها، عند من يصل إليها أو يبلغها، استقلال ذاتي كامل وشامل .وهي حالة موضوعية وعقلانية قبل أن يكتسبها الشخص فتصير ذاتية.
أما مفهوم التحرر كمصطلح فإنه يُستخدم لوصف مختلف الجهود الرامية إلى الحصول على الحقوق السياسية أو الاجتماعية أو المساواة أو جميعهما ،وتكون تلك الحقوق على وجه التحديد لصالح مجموعة من المواطنين المحرومين والمهمَّشين ،أو تبحث بشكلٍ أعم وأشمل في مناقشة مثل هذه الأمور الهامة والدقيقة التي تخص مجموعة من الناس وحياتهم المعيشية.
كما أنَّ مفهوم التحرر يملك فاعلية ذاتية واعية وعقلانية في الآن ذاته ينزاح نحو إيجابية لا مثيل لها، نازعةً إلى بلوغ تلك الحال التي أطلق عليها الفلاسفة والمفكرون اسم الحرية، لكنها ليست فاعلية فردية، بل هي فاعلية جماعية تقوم بها جماعات لا أفراد، ولا تكون حرية الفرد من أهدافها إلا بما هي جزء من حرية مجموع اجتماعي عام .لأنَّ الحرية هي الالتزام الواعي بكل القيود والضوابط التي تفرضها الحضارة الإنسانية والمجتمعات ،التي يمكن أن تشق طريقها لتتمكن من إنجاز مشروعها الذي تطلب الحرية لتحقيقه.فالحرية بهذا المدلول هي قدرة الإنسان على تحقيق مشروعه وغايته وتجسيد برنامج حياته ،ليس بالالتفاف حول القوانين والأنظمة والتشريعات والأعراف، ولا بالتحايل عليها بل باحترامها ةتقديرها والوعي بحقيقة وظائفها وأدوارها.
ومن أجل تحقيق الحقوق السياسية داخل الدولة لا بدَّ أن يكون مجالها الحرية .لأنَّ حالة الحرية وماهيتها تتجسدان في أفراد مجتمع ما ،يناضل من أجل التحرر وتحقيق الحرية حتى تصبح علاقة سياسية كاملة أو شبه كاملة .نحن هنا، لا نلتفت إلى المعنى الميتافيزيقي للحرية وماهيتها ،أي بما هي شعور داخلي بقوة الذات وغناها عن غيرها، بقطعها كل أواصر التبعية بمحيطها الخارجي وارتباطها فيه.هذا الشعور وذاك الإحساس التام والقوي بالامتلاء والكفاية هو شعور وهمي متى وضع الفرد خارج ذاته، أي في نطاق علاقات السياسي والاجتماعي. ما يهمنا منها هو معناها الذي تكتسبه داخل بيئة العلاقات السياسية والعلاقلات المجتمعية ،أي ذاك الذي يجعل منها علاقة سياسية خالصة هي، بالتعريف السياسي والعلمي ،علاقة الفرد بالدولة، بما هو مواطن فيها لها حقٌ عليه وله حقٌ عليها ،وهي علاقة الضرورة .الحرية بهذا المعنى الدقيق تصبح حقاً من حقوق المواطنة وهو حق الضرورة كما أسلفنا، وهو حق تكفله الدولة وقوانينها لمواطنيها المرتبطين بها بعلاقة ولاء مطلقة أو علاقة شبه مطلقة في حالات عدم الثبات. الحرية هي أن يمارس الإنسان ما يشاء فعله من دون تدخل الآخرين ،أو فرض رأي الاخرين عليه عنوة ،أما التحرير فيعني كسر لكل الحواجز والقيود التي تقيد الإنسان وتمنعه من ممارسة حياته بشكلٍ طبيعي، دون الخضوع إلى معتقداتٍ ،أو تقاليد ،أو عادات ،وبناءاً على ذلك فإنّ التحرر يكون منطوياً تحت أفعال جيدة تعود بالنفع على المجتمع ،كما تعود على المواطن نفسه .
في بعض الأحيان يكون التحرر منساقٌ تحت أفكارٍ وأفعالٍ قادمةٍ من الخارج .لها أهداف خفية، تعمل على العبث بالوطن تحت شعارات وأفكار ظاهرها إيجابي تحرري لكنه في الحقيقة تهدف إلى زعزعة أركان الدولة والمجتمع والتي تؤدي بدورها إلى إحداث الخراب والتدمير بدل التحرر والتعمير، وتؤدي إلى الإضرار ليس بالفرد فقط بل بالمجتمع بأكمله ،فمن وجهة نظر بعض الاشخاص ،وخاصة المراهقين يعتبرون التحرر هو تغير طريقة جديدة في العيش في الحياة اليومية من لباس وطعام وشراب ،أو طريقة العيش باكملها على أوجه أخرى متعددة ،هذا فقط لأنَّ هؤلاء يعتقدون أن الحرّية والتحرر تكون بالتخلي عن معتقداتهم الدينية أو العادات والتقاليد المتوارثة أو التاريخ العريق الذي نعتز به .ولكن التحرر في حقيقة الأمر يعني التحرر من القيود والحواجز والقوانين القمعية الظالمة ومن سطوة الطغاة التي تمنعك من ممارسة حياتك وإنسانيتك بالشكل الصحيح والمطلوب ،قد تكون معتقداتك الشخصية ،أو النفسية تمنعك منها .
الجدير بالذكر أنَّ قوانين وتشريعات الدولة لا تكفل شيئاً اسمه التحرر نظير كفالتها الحرية. والتحرر في طبيعته يتولد من الوعي بالحاجة إلى تحقيق الحرية، بوصفها حالة جماعية. والغالب على فكرة التحرر ودعوتها ومآلاتها أن تنبثق من مجال آخر هو مجال المجتمع عينه ، وأن تكون أداتها الجماعات الاجتماعية التي تعيش في كنف الدولة مثل : الشعب ،والطبقة ،والأمة، والجماعة القومية الفرعية وليس الأفراد، لذلك لا يدخل مفهوم التحرر في منظومة مفاهيم الفكر السياسي الليبرالي.
فالنظرية الليبرالية السياسية في الفكر السياسي الغربي.ومن خلال اثبات أن المتغير التابع المتمثل بالنظرية الليبرالية السياسية قد ساهم في صياغة المتغير المستقل والمتمثل بالفكر السياسي الغربي على وجه التحديد .هذا وقد اعتمدت المفاهيم على افتراض أن النظرية الليبرالية السياسية شكَّلت نموذجاً في فن إدارة الدولة من خلال التركيز على الفرد واعتبار أن الدولة وجدت أصلاً للمحافظة على حقوق الأفراد في الدرجة الأولى . وبناءً عليه ،استوجب ذلك الاشارة إلى مفهوم الليبرالية من حيث الأصل والنشأة والمنبت والمراحل التي مرَّت بها، والتعرف إلى أبرز المصطلحات والمفاهيم والآراء التي اعتمدت عليها وأبرزمساهمات مفكريها وفلاسفتها ،وما هي أهم المعتقدات والافتراضات التي تدعو لها. حيث قمنا في هذه الدراسة ،على الاعتماد على منهجين بحثيين أعتقد أنهما هامّان : أولهما المنهج التاريخي ،وثانيهما المنهج الوصفي التحليلي، حيث أثر المتغير والمتبدل التابع المتمثل بالنظرية الليبرالية السياسية على المتغير والمتبدل المستقل الفكر السياسي الغربي ،مما أدى إلى الوصول إلى نتيجة الدراسة الهامة التي أكدت على صحة الافتراض ، إذ أن النظرية الليبرلية السياسية أصبحت رمزاً يدل على الدول المتقدمة ويميزها عن غيرها من الدول،وشكلت هذه الدول مثالاً يحتذى به بالنسبة للدول النامية ،وأصبحت النظرية السياسية الليبرالية من خلال مفكريها وفلاسفتها تشكل نهجاً جديداً في الفكر السياسي الغربي.لأنه في حقيقة الأمر لا يشير إلى أي علاقة سياسية داخل نظام الدولة الوطنية، بينما هو يمثل المفهوم الرئيسي والأساسي في خطاب الحركات الوطنية والثورية، كونه يشير إلى فعل سياسي جماعي (وطني) هادف إلى تحقيق الاستقلال الذاتي لجماعة مقهورة ومهمشة ومهضومة الحقوق الوطنية، وواقعة في ربقة استعباد قوة أجنبية غاشمة تملك كل وسائل الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الأمنية .
ونتيجة لعدم تطابق معنى كل من الحرية والتحرر، ينبغي التمييز بقوة ودقة عالية بين التحرر والتحرير. التحرير يقع على موضوع: وطن ، سيادة ،أرض، قرار سلطة مصادر. أما التحرر فهو الفعل الإرادي الذي قد ينتهي إلى تحرير ما نرغب تحريره. وقد يقع فعل التحرربشكله العملي من دون أن يكون القائمون به ينعمون بالاستقلال الناجز،أي أنهم ما يزالون يقبعون تحت إرادة الغير بالقوة وبالعنوة .أو تحت سلطة جائرة وطاغية لا يرحم .ومع ذلك فهم يكونون وهم يمارسونه عمليا على أرض الواقع قد بلغوا لحظة استقلال الإرادة الحرة وتحررها مما يكبلها من قيود، وحواجز ،ونواهي .ويفرض عليها الأمر الواقع. غير أن التحرير،بما هو عملية تحقيق إرادة التحرر بشكلها الواسع ، يمتنع عن الكينونة والماهية من دون أن يكون مسبوقاً من قبل بفاعلية التحرر التي تجعله أمراً ممكناً وواقعياً لا رجعة عنه .
لا تستطيع ما بات يُعرَف بحضارة الحرية المجتمعية والفردية في الغرب أن تستوعب أن الحرية هذه القيمة العظيمة والقيمة المثلى التي كافحت من أجلها البشرية طويلاً، وسالت الدماء كالأنهار في سبيل تحقيقها تستحيل اليوم مع استمرار وجود أشكال متجددة من الهيمنة والسيطرة والاستعباد تمنع مجتمعات وشعوباً، برمتها، من أن تحوز هذه الحرية وتعيش في نعيمها أسوة بمجتمعات الغرب التي حققتها .والحرية من غير تحرر مشروع إنساني وحضاري تكون منقوصة. وطالما بقيت المنظومة الليبيرالية فكراً وواقعاً اجتماعياً تتجاهل التحرر بكل معانيه ومفاعيله ، فلن تكون حريتها معطى إنسانياً ومجتمعياً وحضارياً شاملاً.
إن ما تشهده العديد من الدول النامية وتحديداً في وطننا العربي من تدخل سافر مباشر أو غير مباشر وعبر مأجورين ينفذون الأوامر بالنيابة من قبل العديد من الدول الغرب أمريكي أوروبي وهي دول كبرى ، تعتبر شريكاً رئيسياً في حرمان تلك الشعوب والأوطان من حقها المقدس في التحرر ونيل الحرية الاستقلال الكامل دون أن تبقى تابعة لتلك الدول .إنَّ الاحتلال والاستيطان وتغيير معالم الأرض وسرقتها ونهبها، وتزوير التاريخ، وقهر الشعوب المحتلة أراضيها وممارسة أبشع عمليات البطش والعنف ضدها ، وقمع حركاتها الوطنية بالحديد والنار، ودمغ مقاوماتها الوطنية المشروعة الهادفة إلى تحرير أرضها من الاحتلال بتهمة الإرهاب، وإجراء الاعتقالات الجماعية لأبنائها، وهدم البيوت والمؤسسات والجمعيات والهيئات الإدارات ، وقلع الأشجار وجرف المزروعات، ةردم الآبار ، ومصادرة الأراضي، وتعطيل القرارات الدولية الشرعية التي أنصفت البعض القليل من حقوقها الوطنية، واستخدام سلاح النقض ( الفيتو) للتغطية على جرائم الاحتلال، كلها تفضح مزاعم ما أُطلق عليه العالم الحر. وتضع إشارات الاستفهام على ثقافة عنصرية تمييزية تفرق في الإنسانية المعاصرة بين أناس يستحقون الحرية وآخرين يليق بهم الاستعباد والسيطرة والاحتلال ومحو الشخصية الوطنية والإنسانية!

المصدرالكاتب للمركز الفلسطينى الأوروبى للإعلام
رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق