في سياق العنصرية صراع خفي بين (النحنُ) الجزئي و(النحنُ) الكلي ،، بقلم : عماد خالد رحمة

2021-10-12T18:16:06+02:00
مقالات وآراء
12 أكتوبر 2021آخر تحديث : الثلاثاء 12 أكتوبر 2021 - 6:16 مساءً
في سياق العنصرية صراع خفي بين (النحنُ) الجزئي و(النحنُ) الكلي ،، بقلم : عماد خالد رحمة

تتبدى العنصرية في صورها المتنوعة والمتعددة بكثرة ،فهي تتمظهر بالعنصرية الثقافية الحديثة ،أو العنصرية الجديدة ،أو العنصرية التفاضلية ،أوعنصرية ما بعد الحداثة.وهو مفهوم تم إطلاقه على التمييز والتحيٌّز على أساس التناقضات والاختلافات الثقافية بين المجموعات العرقية أو الإثنية.وهذا يشمل فكرة أن بعض الثقافات تتفوّق على غيرها من الثقافات الأخرى ،وأن الثقافات المتنوعة غير متوافقة أحياناً وغير منسجمة بشكلٍ أساسي ،ويجب ألا تتعايش في نفس المجتمع أو الدولة مهما يكن. كما تختلف العنصرية الثقافية عن العنصرية البيولوجية أو العلمية التي تعني التمييز والتحيّز المبني على الاختلافات البيولوجية الملحوظة بين المجموعات العرقية أو الإثنية.
قد يكون مبنى النزعة العنصرية على الرغم من تنوعها واستدلالاتها على فكرة وطنية ضيقة عنصرية (شوفينية)، واضحة الاختلاط بفكرة ثقافية استعلائية واستكبارية (مركزية ذاتية)، عندها تتبدى العنصرية منهجاً سياسياً ومسلكاً مشدوداً إلى هدف الهيمنة أو السيطرة لغالب متفوّق ومتقدم على مغلوب دونَه تفوقاً وتقدماً وتطوراً، كما قد تكون مشدودةً إلى هدف منظور هو فرضُ قيم الغالب القوي على المغلوب الضعيف ومعاييره ونُظمه ومساره .وهذا الضرب من العنصرية ذات القاع الشوفيني – الاستعلائي هو ما شهدنا عليه، ونشهد، في علاقات العديد من دول الغرب الأوروأمريكي وأنظمته الحاكمة بأمم وشعوب ودول وأحزاب أخرى خارج الغرب الأوروبي ـ الأمريكي ،لا تقاسمه سياساته ومناهجه ،ومنظومات قيَمهِ المتداولة ،وتبدو له دونيتها الحضارية والثقافية وحتى الإنسانية في الوقت عينه ،وهي ملحوظة في منظور التفوق والاستعلاء لديه.ولكن قد يكون مبناها ومعناها على أساس معرفي ضمن سياق (ثقافي- ديني) أيضاً. وفي الحال هذه، لا يكون (الآخر)، دائماً، برّانياً: يقع خارج المجال الجغرافي الحيوي والاجتماعي الواقعي ،بل قد يكون داخلياً، منتمياً إلى الدائرة الوطنية أو القومية عينِها، ومرتبط بها أوثق الروابط ،أي في الحالة التي نتناولها في مثل هذا الوضع نقارن ذلك مع بلدان الغرب الأوروأمريكي نفسها.ها هنا لا يتحدد الآخر المختلِف والمتناقض بمحددات كيانية سياسية (وطنية) متخارجة متفاصلة عنها ،بل يتحدَّد بأخرى تُمَايِز وتُفَرِّق ،داخل الداخل الاجتماعي نفسه،أي من جوانيته ودواخله بين ماهيات متفارقة ومتمايزة معرفياً في سياقات (دينية وثقافية) في المقام الأول. تنتقل النزعة العنصرية الشوفينية المفرطة، هنا، من حيث يتم قراءتها في تحديدها للهوية الوطنية والقومية (الشوفينية) المتعصبة إلى حيث تُقرأ في مبانيها الهوياتية الصغرى والهوياتية الفرعية: المعرفية (الدينية والثقافية). وعند هذه العتبة، تَكف العنصرية عاجزةً عن أن تكون أيديولوجيا وطنية ضيقة لتصير أيديولوجيا أنثروپولوجية ثقافية معرفية(أبستيمولوجية) مغلقة مبناها على تقسيم الجماعة الوطنية الواحدة إلى هويات متمايزة ومتفارقة وتفريق ما تجمعه القوانين والتشريعات الناظمة بينها. ليس هذا فحسب بل يركز الكثير من الأدب الاجتماعي على العنصرية البيضاء التي عُرِفت في بلاد الغرب الأورو ـ أمريكي. فقد كانت مؤلفات العالم الاجتماعي الأمريكي والناشط السياسي من أصل افريقي وليام إدوارد بورغاردت دو بويز (W. E. B. Du Bois) (23 شباط 1868 – 27 آب 1963) وهو من أهم دعاة الحقوق المدنية والمهتمين بشؤون السود في مطلع القرن العشرين. من أوائل من كتب الأعمال الاجتماعية حول العنصرية. حيث قال :(إن مشكلة القرن العشرين هي مشكلة خط اللون) .كذلك كتب دو بويس (W. E. B. Du Bois) أول دراسة سوسيولوجية علمية، وقد نشر ثلاث سير ذاتية في كل منها مقالات قصيرة لكنها هامة في علم الاجتماع والتاريخ والسياسة. وكمحرر لجريدة الأزمة (ذا كرايسس) التابعة للرابطة (NAACP) قام بنشر العديد من القطع المؤثرة جداً . آمن دو بويس (W. E. B. Du Bois) بأن الرأسمالية كانت سبب العنصرية الأساسي، وقد كان متعاطفاً مع قضايا الاشتراكية طوال حياته، وناشط سلام متحمساً ومؤيداً لنزع السلاح النووي. وقد جسد “قانون الحقوق المدنية” التابع للولايات المتحدة العديد من الإصلاحات التي كان يدعمها دو بويس (W. E. B. Du Bois) طوال حياته، وقد شُرعت بعد عام من وفاته.وفي عام 1993م عرَّف ويلمان العنصرية على أنها من المعتقدات المسموح بها ثقافيًا والتي بغض النظر عن النوايا المعنية، فإنها تدافع عن المزايا التي يتمتع بها البيض بسبب أن الأقليات العرقية كانت تشغل الوظائف التبعية). في كل من علم الاجتماع والاقتصاد غالبًا ما تُعرف نتائج الأعمال العنصرية بعدم المساواة في الحصول على الثروة والدخل وصافي الثروة وكيفية الوصول إلى الموارد الثقافية الأخرى مثل التعليم والصحة والعمل بين جميع الطوائف العرقية.كما أن علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي غالباً ما يستخدمون الهوية العرقية واكتساب الهوية كعامل مهم وأساسي في الدراسات العنصرية .فالأيديولوجيات العنصرية والهوية العرقية تؤثر على تصور الأفراد للعرق والتمييز.وفي سياق قراءة أفكار العديد من عظماء التاريخ نجد أنهم أصبحوا خطراً من الناحية الأخلاقية .فقد آمن الفيلسوف إيمانويل كانط بأنَّ (الإنسانية بأعظم صورها تتجلى في السباق بين البيض والهنود الذين يمتلكون مواهبا قليلة ) .وكان الفيلسوف إيمانويل كانط قد قسَّم الأجناس البشرية حسب اللون وجعل شعوب القارة الهندية أقلها ذكاءا وتطورا .أيضا كان الفيلسوف العظيم أرسطو ذو العقل الفذ قد ظنَّ بأن الرجل بطبيعته أرفع مقاما والمرأة أقل شأننا ,والرجل رئيس والمرأة مرؤوس .كما كتب الفيلسوف والاقتصادي والمؤرخ الاسكتلندي (ديفيد هيوم (David Hume‏ وهو صاحب الشخصية المهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي .كتب في 54/1753 قال: (أنا أميل إلى الشك بأن الزنوج وجميع أنواع البشر بشكل عام أدنى منزلةً من البيض) .
إنَّ طغيان حالة العنصرية دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى اتخاذ قرار حمل الرقم 2106 ـ ألف (د-20) المؤرخ في 21 كانون الأول/ديسمبر 1965 م لعقد الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري حيث كان تاريخ بدء النفاذ: 4 كانون الثاني/يناير 1969، وفقا للمادة 19حيث اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة .
وفي عام 1999م عرّف كلاً من برنار كازناف، وزير الداخلية الفرنسي وماديرن العنصرية على أنها (نظام شديد التنظيم من الامتياز الجماعي القائم على (العرق) الذي يعمل على جميع مستويات المجتمع ومتماسكًا بأيديولوجية متطورة من سيادة اللون أوالعرق. ويبدو أن المركزية العرقية (مدى اعتراف الثقافة بالهوية العرقية للأفراد) تؤثر بشكلٍ كبير على درجة التمييز التي يراها الشباب الأمريكي من أصل أفريقي في حين أن الأيديولوجية العنصرية قد تعوّق الآثار العاطفية الضارة لذلك التمييز).كما وجد سيلرز وشيلتون في عام 2003م أن العلاقة بين التمييز العنصري والاضطراب العاطفي كانت معتدلة بسبب الأيديولوجية العرقية والمعتقدات الاجتماعية. حيث يذهب بعض علماء الاجتماع أيضًا ولا سيما في الغربالأوروأمريكي لأنه كثيراً ما تُعاقب العنصرية بشكل سلبي في المجتمع إلى أنَّ العنصرية والشوفينية المغرقة في قسوتها تغيرت من كونها تعبيراً صارخاً إلى تعبير أكثر تبطنًا عن التحيز العنصري الظاهري. فقد أصبحت الأشكال الأحدث للعنصرية هي الأكثر خفية والأقل قابلية للاكتشاف والتي يمكن اعتبارها جزءًا لا يتجزأ من العمليات والهياكل الاجتماعية .وهي أكثر صعوبة وقسوة في الاستكشاف ،وكذلك التحدي. بينما ظهر أنه في حين أن الممارسات العنصرية العلنية أو الصريحة القاسية والضارة جداً في العديد من البلدان أصبحت من المحرمات بشكل متزايد،حتى بين أولئك الذين يظهرون مواقف واضحة وصريحة للمساواة ،لا تزال العنصرية الضمنية الجوانية أو المكروهة قائمة دون أي وعي . فقد تمت دراسة هذة العملية دراسة مستفيضة وواسعة في علم النفس الاجتماعي بوصفها رابطات ضمنية وجوهرية ومواقف جماعية ضمنية ،وهي عنصر من عناصرالإدراك الضمني. المواقف الضمنية هي التقييمات التي تحدث دون وعي واع وعقلاني بموضوع الموقف أو بالنفس. هذه التقييمات بشكلٍ عام إما أن تكون مواتية أو غير مواتية، وهي تأتي من التأثيرات المختلفة للتجارب الفردية (الأنا).لا تُحدد المواقف الضمنية بوعي (أو بشكل غير دقيق) من آثار التجارب السابقة التي ترتبط بشكل غير مباشر بالمشاعر أو الأفكار أو الإجراءات المواتية أو غير المواتية تجاه الأشياء الاجتماعية وهي عديدة .هذه المشاعر أو الأفكار أو الأفعال لها تأثير على سلوك الفرد الذي قد لا يكون على علم به.
مثل هذه العنصرية بتجلياتها الظاهرية والباطنية التي يلقاها المهاجرون واللاجئون من العديد من بلدان الجنوب إلى العديد من بلدان الغرب أورو أمريكي ومجتمعاته التي وجدت فسحةً كبيرةً لتواجد الشعبويين القوي (كالترامبية )،حيث يعاني هؤلاء من أثقالها واستحقاقاتها أشد المعاناة. ولا يتعلق الأمر في هؤلاء المقهورين والمنكوبين بها بمن يقيمون في تلك البلدان على اتساعها،بمقتضى عقود عمل، أو قصد الدراسة ونهل العلم والمعرفة وتكوين الشخصية العلمية والإنسانية الإعتبارية ،أو بمن يقيمون بها إقامة غير قانونية، أي لا يتعلق الأمر،فقط، بمن يمكن تبرير السلوك العنصري ضدهم بكونهم ليسوا من مواطني تلك الدول، وليسوا ممّن يمكنهم أن يتمتعوا بالحقوق نفسِها التي يتمتع بها مواطنوها، بل تحملوا أعبائها وأثقالها مهاجرون آخرون باتوا مواطنين في تلك الدول منذ جيليْـن أو ثلاثة أو أكثر،واندمج أبناؤهم وأحفادهم في مجتمعاتها إلى حدود بعيدة وصلت بُعدها حد الانصهار والتماهي.
تتفاوت درجات ممارسة العنصرية تجاه المواطنين في الغرب الأوروأمريكي، من غير ذوي الأصول الغربية، من بلد إلى بلد آخر ، كما تختلف الفترات الزمنية التي تطفوا العنصرية على السطح بشكلٍ واسع .كما تختلف الأوقات التي يشتد فيها التعبير عن تلك العنصرية الطاغية ضدهم أو يتراجع ويَفتر لفترةٍ ما . والغالب عليها أنَّ معدلها ومنسوبها يعلو مع كل تأزم سياسي أو اجتماعي معرفي ( ثقافي ـ ديني ) داخلي، أو مع كل صدام يحصل بين الدولة المضيفة التي يحملون جنسيتها وبلدانِهم الأصل.وليس من تَزيّد في القول إن أشد المعرّضين لها، في الأعم الأغلب من تلك البلدان، هم المواطنون المنحدرون من أصول إفريقية .فالتمييز العرقي له جذور تاريخية في العقلية الغربية .وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية .وهي ثقافة ( الأسياد والعبيد) .كما يقع على الكثيرين مواقع عنصرية لا لسبب محدد إلا لأنهم يحملون ثقافةً متمركزة على ذاتها وتبقى منغلقة ضمن دائرة تاريخية وتراثية محددة.ولكونها حسب اعتقاد البعض أنها مزدحمة بالصور النمطية السلبية فالغرب الأورو أمريكي لا يعرف في جموعه بنية الثقافة والتراث والتاريخ الماضي للعرب والمسلمين .وإنما ما استقوه من كتب المستشرقين الذين كان لهم دور أمني وعسكري على مر التاريخ في العلاقة بين الشرق والغرب.
بالقدر نفسه من التفاوت والتباين، تتفاوت درجات تلك العنصرية التي يتم ممارستها ضد المهاجرين من فئة اجتماعية إلى فئةٍ أخرى. فقد أكَّد العديد من علماء الاجتماع والسياسة بأنَّ منسوب العنصرية يرتفع أكثر حين يتعلّق الأمر بفئات كادحة كالعمّال بشكلٍ عام وعمال الخدمات بشكلٍ خاص ،ويهبط منسوب العنصرية كلّما تعلق الأمر بأطر عليا ذات كبير منفعة، مثل رجال الأعمال والعلماء وأساتذة الجامعات والكتاب والصحفيين … إلخ .مَن لا يعرف، عليه التحقق حول الأوضاع الاجتماعية البائسة والصعبة جداً التي يرزح فيها العمال العرب والأفارقة في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية ،وفرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وإسبانيا واليونان … واضطرار العديد منهم للعيش في أحياء هامشية، مثل الغيتوهات،أو ما يُعرف في بيوت وأحياء الصفيح. يُدرك إلى أي حد يلحق هؤلاء المهاجرين تمييز عنصري مضاعَف على أساس مكانتهم الاجتماعية في مَواطنهم الجديدة في بلاد المهجر .
أخيراً : كل ما نسعى إليه هو جعل أفراد المجامعات يعتقدون وبصدق أنهم يستطيعون التغلب على التحيزات التي نشأوا معها بغير إرادتهم ،فقد تلقونوها من طبيعة ثقافاتهم .فهناك كثيرون غير مسؤولين عن القيم المشوهة التي شكلت تلك المجتمعات لكن هناك من عليه تحمل مسؤولية التعامل معها بشكلٍ عملي ليس فقط من ناحية إصدار القوانين والتشريعات بل من ناحية بناء ثقافة إنسانية واحدة متوازنة تحفظ الحقوق الإنسانية والكرامة الإنسانية دون تمييز.

المصدر: الكاتب للمركز الفلسطينى الاوروبى للاعلام

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق