عز الدين القلق

2021-08-03T15:43:44+02:00
شخصية الأسبوع
3 أغسطس 2021آخر تحديث : الثلاثاء 3 أغسطس 2021 - 3:43 مساءً
عز الدين القلق

في 3 اغسطس من عام 1978 ,فقدت فلسطين احد فرسانها ،الشهيد عزالدين القلق ثاني مدير لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية ،بعد ان استشهد اول مدير مكتب منظمة التحرير في باريس محمود الهمشري في عام 1973 ,وقد خسرت فلسطين دبلوماسيًا فريدا في عمله استطاع ان يوائم ببراعة بين العمل النضالي والعمل الثقافي والإعلامي ليقدم نموذجًا خاصًا لدبلوماسية فلسطينية مناضلة .

ولد عزالدين القلق في مدينة حيفا عام 1936، أطلق عليه والده هذا الاسم تيمّناً بالمناضل الشيخ عزالدين القسام ، الذي قاد في نفس العام الثورة الفلسطينية، وكان والد عز أحد أتباعها. وفي عام 1948 وبسبب ارهاب العصابات الصهيونية فقد اضطر وعائلته للرحيل الى دمشق حيث استقرت العائلة هناك ومازالت، وفي مدارسها(مدرسة ابن خلدون وثانوية الميدان، بدمشق) تلقى علومه ونال شهاداته العلمية وحصّل من جامعة دمشق درجة الليسانس فرع رياضيات /فيزياء/كيمياء عام 1962/1963 .
منذ صغره شغف عزالدين بحب الموسيقى والرسم والكتابة والتمثيل وكان طالباً متميزاً منذ حداثته وسنين شبابه الأولى ، إذ مثّل على خشبة المسرح المدرسي والإذاعي ، وكتب القصة القصيرة وهو في حوالي العشرين من عمره، وكان آنذاك واحداً من أعضاء رابطة وحي القلم الأدبية ونشرت قصصه آنذاك في الصحف السورية النّقاد، الرأي العام، الطليعة. وقد صدرت مجموعته القصصية بعد استشهاده بعنوان “شهداء بلاتماثيل” كانت هذه القصص بالنسبة إليه كما قال عنها:” اختمارا لعناصر الثورة في الوعي الفلسطيني والعربي،وذلك بعد ثمانية سنوات على النكبة والهجرةو تعبيراً لم يكتمل بعد.”هذا الوعي الفكري ، الذي صاحب وعيه السياسي المُبكر وتعاطفه مع الأفكار التقدميةوالديمقراطية كان من نتيجته زجّه في السجن السياسي لمدة ثلاثة أعوام 1959-1961.
عمل في المملكة العربية السعودية بعد تخرجه الجامعي مباشرة كمدرس لمادة الكيمياء والفيزياء (ثانوية اليمامة للبنين- الرياض) ولمدة سنتين، لكن طموحه لم يقعده عند هذا الحد فقرر متابعة تحصيله العلمي العالي ، والتعرف على العالم الغربي والنهل من حضارة الأمم المختلفة فسافر إلى فرنسا عام 1965، حيث باشر تعلّم اللغة الفرنسية في مدينتي (تور-بواتيه)، وهناك حصل عام 1966 على “أهلية التعليم للغة الفرنسية في الخارج”بدرجة جيد.
أمّا رسالة الدكتوراة في الكيمياء الفيزيائية فقد نالها مع تهاني لجنة التحكيم في عام 1969(جامعة بواتيه –كلية العلوم).
كل ذلك لم يمنعه كطالب ،من التحدّث عن قضيته ، التي حملهابقلبه وعاش أحداثها بكل حواسه ودقائق عمره ، فأخذ يشرحها للمحيطين به بشكل علمي ومنطقي مدروس ،وكان يقيم لهذا الغرض الندوات ويتنقّل بين المدن الفرنسية المختلفة مما لفت إليه أنظار الصهاينة، الذين رأوا فيه الخصم الفلسطيني الخطر ،فحاولوا اغتياله عدة مرات وبأساليب متنوعة وذلك قبل أن يتسلم مهامه كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس خلفاً للشهيد محمود الهمشري.
انتقل من بواتيه إلى باريس حيث انتخب عام 1969 رئيساً لإتحاد طلبة فلسطين وتعاون آنذاك مع ممثل فتح الشهيد محمود الهمشري لتدعيم النضال الفلسطيني على الساحة الفرنسية، أشدّ الساحات الأوروبية ضراوة وقسوة وأكثرها خطورة بالنظر لوضع فرنسا من جهة وثقل الحركة الصهيونية فيها من جهة أخرى.
بعد اغتيال الهمشري وبتزكية من الطلاب والعمال العرب المتواجدين في فرنسا، الذي ناضل عزالدين بين صفوفهم وتمتع بثقتهم اختير خلفاً لسلفه ،وكان بذلك أوّل ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية يتم اختياره من قبل الفئة المذكورة قبل اختياره وتسميته رسميا من قبل المنظمة نفسها.
باشر عزالدين مهامه الدبلوماسية إضافة إلى متابعة مسيرته النضاليّة في ظروف سياسية صعبة اعتبارا من 1/9/ 1973، راح يعمل بجد ودأب متواصلين فاكتسب صداقات كثيرة في فرنسا واوروبا ،اتصل بالأحزاب والقوى السياسية وخاصة التقدمية والديمقراطية ،واشتهر بأنه من ألمع العقول الدبلوماسية البارزة في الثورة الفلسطينية، واستطاع بفضل شخصيته المتميزة من جهة واتقانه للغتين الفرنسية والإنجليزية من جهة أخرى أن يخاطب عقول الفرنسيين بل وقلوبهم أيضاً حتى عُرف “برجل التلفزيون ،الفلسطيني” ولم يكن ذلك بالأمر السهل في محيط تضج فيه الدعاية والإعلام الصهيونيان.
أمّا خارج فرنسا فلقد شارك في العديد من المؤتمرات في اوروبا وافريقيا والولايات المتحدة الأمريكية ، كان أهمها على الإطلاق “مؤتمر اتحاد البرلمانيين الدولي في مدريد” حيث قابل خلاله ملك اسبانيا خوان كارلوس وأجرى معه حواراً كان من نتيجته السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية افتتاح مكتب لها في مدريد بشكل رسمي، وقبل تلك الآونة كان الرئيس الفرنسي ديستان قد وافق على افتتاح مكتب ارتباط وإعلام للمنظمة بشكل رسمي تلاه دعوة عزالدين كممثل للمكتب المذكور لحضور الحفل ،الذي أُقيم في قصر الإليزيه بمناسبة زيارة جلالة الملك خالد عاهل السعودية أوائل عام 1978 وبذلك كان أوّل مسؤول فلسطيني يدخل القصر المذكور بدعوة رسمية.
لم تفارق عزالدين في ظل المسؤولية الملقاة على عاتقه وساعات عمله المتواصلة وعدم استقراره في منزل خاص به،لم تفارقه أحلام الدراسةوالنهل من منابع العلم فانتسب إلى المدرسة التطبيقية في الدراسات العليا بصفة مستمع.
أمّا التحليق في سماء الفن الرحب فقد كان له مكاناً أثيراً في قلبه فعمل دائماً على إظهار التراث الفلسطيني والوجه الحضاري للشعب المقهور ،الذي حاولت الصهيونية طمس هويته ،فأمضى ما كان يستطيع اختلاسه من الوقت في البحث عن البطاقات البريدية ،التي كانت ترسل منذ مطلع القرن من فلسطين ،والتي تحمل اسم فلسطين العربية وتصوّر تراث شعبها ،وعمل بدأب كالنحلة على تجميعها حيث صدرت في كتاب .
كذلك وجدت بحوزته أكبر مجموعة من الملصقات الفلسطينية مع مسودة بخط يده قام بإعدادها قبل رحيله وعملت دار نشر “سيكومور” في باريس على إصدارها بعنوان “الملصقات الفلسطينية ،مجموعة الشهيد عزالدين القلق”.
وتجدر الإشارةإلى أنّه قد قام بتأسيس قسم خاص بالسينما الفلسطينية في مكتب المنظمة في باريس إذ كانت له اهتمامات جدّية في هذا الحقل لإعتقاده بأنّ السينما هي إحدى الأدوات الفعالة لخدمة قضيته وكل القضايا العادلة وفي هذا الصدد وصفته مجلة “كابيه” السينمائية الفرنسية (عدد أيلول/سبتمبر عام 1978) بأنّه يتمتع بكثير من الفطنة والموهبة التي أنْسته قليلا من الوحدة التي فرضت عليه بسبب عمله، واستقطب حوله مجموعة من الشبان السينمائيين الفرنسيين التقدميين (مجموعة فانسان) ،الذين أخرجوا فيلماً وثائقيا عنه بعد استشهاده بقليل والذي يحمل اسمه.
أمّا في المجال الإذاعي فلقد عمل فترة من الزمن في إذاعة مونتي كارلو كمسؤول عن ترجمة وإعداد النشرة الإخبارية وذلك قبل تسلمه مهام ممثل المنظمة في باريس.
لقد سقط عزالدين شهيدا على درب النضال الفلسطيني بتاريخ3.8.1978. وقد كان لإغتياله على أيدي العمالة والغدر وقع كبير على الصعيدين العربي والعالمي ،حيث نددت الصحف واستنكرت ذاك العمل الجبان وكذلك فعلت الجموع التي كانت تعرف نضالاته وتتابعها وخاصة جموع المناضلين والعمال والطلاب في فرنسا و في دول شمال افريقيا ،وقبلها في فلسطين وسورية وسائر الدول العربية، وأشادت بشجاعته كمناضل وبدوره اللامع كدبلوماسي ، وأصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بياناً رسمياً بهذا الشأن جاءفيه”كان يعمل دائما على إجراء حوار بنّاء مع السلطات الفرنسية” كما وأشادت معظم الصحف بالنقاء والحيوية والذكاء التي تمتّع بها ،تلك الصفات التي سخّرها عزالدين لخدمة قضيته.
اتهمت منظمة التحرير الفلسطينية رسميا، المخابرات العراقية بتدبير اغتياله مستخدمة بعض المأجورين الفلسطينيين مما عرف بتنظيم الإرهابي أبو نضال ، والذي كان تنظيمه مُخترقا من قبل جهاز الموساد كما أدلى بذلك أحد قيادات تنظيمه ، الذي انشق عنه لاحقاً.
بفقدان عزالدين القلق خسرت المنظمة مناضلاً عنيداً ودبلوماسياً لامعاً وفناناً رفض حمل السلاح رغم التهديدات المتواصله له,خسر الشعب الفلسطيني عالماً كيميائياً ، وشخصية اجتماعية آمنت بدور المرأة في الكفاح إلى جانب الرجل لخدمة المجتمع ، كان عز أوّل مسؤول يدعم تسلم فتاة فلسطينية رئاسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين في فرنسا وكانت ليلى شهيد ، التي تولت فيما بعد مهمة منصبها كسفيرة فلسطينية في باريس وكمندوبة لفلسطين لدى الاتحاد أوروبي.
شاركت جموع كبيرة بالصلاة عليه في جامع باريس ومن ضمنهم رجال السلك الدبلوماسي العربي المعتمدون في باريس ، كما حضرت لوداع جثمانه جموع من شرائح المجتمع الفرنسي التي عرفته، ومن الفنانين و المناضلين الفرنسيين والأجانب، الذين كانوا يشاركونه في نشاطات الدعم والتأييد للشعب الفلسطيني المقامة في فرنسا. تمّ بعدها نقل جثمانه إلى دمشق حيث أقيمت له جنازة حاشدة شارك فيها عشرات الألوف من المواطنين الفلسطينيين والسوريين وألقى الرئيس الراحل ياسر عرفات كلمة تأبين للشهيد في مخيم اليرموك في دمشق حيث تمّ دفنه في مقبرة الشهداء مع رفاق الدرب ،الذين سبقوه، وكان برفقة الرئيس كبار المسؤولين من قيادة المنظمة وحركة فتح والتنظيمات الفلسطينية المختلفة ومن بعض الأحزاب والشخصيات الإجتماعية السورية ومن رجال من السلك الدبلوماسي العربي و كما حضر في التشييع الدكتور لاريفييه رئيس الجمعية الطبية الفرنسية-الفلسطينية .

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق