عايدة سعد “عقد اللولو انفرط” ملامح من سيرة نضاليةالكاتب والناقد/ ناهـض زقـوت

13 يناير 2023آخر تحديث : الجمعة 13 يناير 2023 - 7:56 مساءً
قصة نجاح
عايدة سعد “عقد اللولو انفرط” ملامح من سيرة نضاليةالكاتب والناقد/ ناهـض زقـوت

تأخذنا عايدة سعد في مذكراتها إلى بدايات النضال العسكري في قطاع غزة منذ أواخر الستينات، أي بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية بقيادة حركة فتح. هذه المذكرات التي أملتها على أخيها فؤاد سعد في سنة 2012، أي بعد ثلاثة وثلاثين عاماً من تحررها من قيود الأسر، وبعد ثلاثة وأربعين عاماً من اعتقالها، هي تجربة نضالية من عشرات التجارب التي نفذتها حركة فتح في قطاع غزة في تلك الفترة، تقول عايدة: “كانت تصلني أخبار متسارعة، فلان اعتقل، وآخر مطارد، وفلان تم اغتياله، واليوم محاكمة فلان، هناك وقعت عملية، كانت هذه الحالة في الواقع موجودة في قطاع غزة. نعم ازداد نشاط المقاومة في غزة، وبالتالي ازدادت ملاحقة العدو، ونشط بصورة غير طبيعية”. ولكنها لم تكتب عن هؤلاء، بل كتبت تجربتها الفردية التي ترتبط بشخصها أكثر من ارتباطها بآخرين، فهي مثلاً لم تتحدث عن العمل العسكري في قطاع غزة في فترة الستينات، أو عن الخلايا المسلحة، أو عن نساء أو رجال قاموا بأعمال عسكرية، إنما مذكراتها تتحدث فيما يتعلق بتجنيدها وخليتها العسكرية، وتنفيذها للعملية، وموضوعات أخرى مرتبطة بشخصها، والأشخاص الذين ارتبطوا بها.
يأتي هذا الكتاب الذي حمل عنوان (عقد اللولو انفرط – شعلة على طريق التحرير: سيرة المناضلة عايدة عيسى سعد) من منشورات مؤسسة عيون التراث للدراسات والأبحاث والنشر، غزة 2022، من كتابة شقيقها فؤاد عيسى سعد، ومن تحرير وإعداد للنشر د. عبد اللطيف زكي أبو هاشم. لقد صنف هذا الكتاب على أنه سيرة كما جاء على الغلاف، ولكنها سيرة لم تكتبها صاحبتها بل كتبها شقيقها بعد أن أملتها عليه في القاهرة بعد أن منعتها اسرائيل من دخول غزة عام 1994. إذن هي لم تكتب بل روت سيرتها، فهي سيرة غيرية أقرب إلى المذكرات، وهذا نجده واضحاً في هذه المذكرات إذ روت تجربتها ولم ترو عن حياتها الشخصية، إلا بما كان ضرورياً لسياق الأحداث. لذا طلبت من أخيها فؤاد أن يكتب عن عائلتهم في تقديم سيرتها أو مذكراتها. وبالإضافة إلى تقديم أخيها، قدم المستشار شرحبيل يوسف الزعيم للمذكرات فهو ابن القائد يوسف الزعيم، كما قدم لها الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم محرر المذكرات.

عتبة العنوان:
يثير العنوان (عقد اللولو انفرط) حالة من الدهشة والغرابة لدى القارئ، لما ينطوي عليه من غموض، وإثارة الأسئلة حول المعاني والدلالات. هذا العنوان يرتبط ارتباطاً قوياً بسياق الأحداث، ولم تضعه الراوية لمذكراتها، بل اختاره الناشر عبد اللطيف أبو هاشم عنواناً للمذكرات، نقرأ: “أعلنت إذاعة صوت فلسطين الاشارة التالية: العصفور فوق الشجرة – يفرط عقد اللولو”. وفي ختام السيرة تأتيها هدية تحمل بطاقة من أحمد حجازي تقول: اللولو للولو يا لولو، عقد اللولو انفرط. عندها تقول: “لا أحد يعرف هذه الاشارة (عقد اللولو انفرط) إلا أحمد وأنا، وهي كلمة السر بيني وبين أحمد في عملية نقل سلاح وتسليمه لنجوي.
لقد كان العنوان هو كلمة سر العملية، تلك الكلمة التي سمعها كل أهالي غزة دون أن يدركوا معناها إلا قائد الخلية أو التنظيم.

بناء المذكرات وسير الأحداث:
تقدم عايدة سعد وثيقة أدبية واقعية لتجربة نضالية ما زالت من المسكوت عنه في أدب السجون، أو في الكتابة الأدبية عن تجارب المناضلات الفلسطينيات اللاتي سجلن بحروف من نور وكفاح ودم تجربة نضالية كبيرة، كانت المرأة الفلسطينية في قلب تلك التجربة إلى جانب الرجل تكافح وتناضل من أجل حرية شعبها ووطنها.
لقد اعتمدت عايدة سعد على الذاكرة الشخصية في استعادة تفاصيل تجربتها منذ تجنيدها إلى الافراج عنها في سرد زمني متواصل، متنوع المكان ما بين غزة، إلى عمان، إلى المعتقل الذي يحتل المكان الأكبر في التجربة (معتقل غزة، ومعتقل الرملة)، حيث تحكي تفاصيل السجن من غرف وزنزانة، وعن زميلاتها في العنبر، وعن السجانين والسجانات وجهاز الأمن، وممارسات جيش الاحتلال، والمحققين، ووصف حالات التعذيب وأشكال المعاناة.
اتخذ بناء السيرة أشكال عدة إلى جانب استرجاع الذاكرة، فثمة مفارقة زمنية بين وقوع الحدث وزمن سرد الحدث نحو أربعة وأربعين عاماً، ويتخذ السرد ضمير الأنا المتكلم أسلوباً في السرد، يقطعه أحياناً الحوار بين الساردة وآخرين، وأحيانا توقف الحدث في حاضر السرد لتعود إلى الماضي لكي تروي حدث تذكرته في حديث مع النفس، وكذلك تقطع السرد والانتقال إلى المعرفة الخارجية في المستقبل تقول: “علمت مؤخراً بعد تحرري” أي انها لم تعلم بالحدث إلا بعد سنوات. وكذلك بعد عشر سنوات من اعتقالها تنقل على لسان المحامي فايز أبو رحمة قصة تكليف الرئيس عبد الناصر، كما رواها لها تقول: “في اليوم التالي للعملية يوم 17/3/1969، نشرت جريدة الأهرام أن رئيس الاتحاد السوفيتي بعد أربع ساعات من وقوع العملية زار الرئيس عبد الناصر في محل اقامته، حيث كان موجوداً هناك للاستشفاء، وقال له: هل بدأت حرب شعبية في قطاع غزة؟ وهل عملية الفدائية عايدة سعد إيذاناً ببدء الحرب؟. فقال له عبد الناصر: أعتقد ذلك، وأعلم أن قيادة الثورة الفلسطينية تعد لهذه الحالة منذ فترة طويلة”.
تؤكد عايدة أن سكان الحي والأهالي كانوا يعرفون رجال الكفاح المسلح، ولكنهم لا يتحدثون، بل يتعاملون مع الأمر بكل سرية وكتمان، وهذا دلالة على إيمان الشعب الفلسطيني بالكفاح المسلح طريقاً للتحرير، ومن واجبهم حماية الفدائيين واحتضانهم، حيث نجد أن لقاءات الفدائيين وتدريبهم يتم داخل البيوت وسط أهاليهم دون تذمر أو رفض للفكرة، فهي نفسها تعرفت على حركة النضال من خلال لقاءات أخيها فوزي مع رفاقه في البيت وحديثهم عن الثورة، وعندما تعرفت على طريقة جديدة في التمويه والاخفاء، وهي نزع نوى البلح ووضع مكانه الرصاص، ونقله دون أدنى شبه، هنا تسترجع عايدة في ذاكرتها ما كانت تشاهده من أمها، حينها تدرك أن أمها تعرف أعمالهم، كما أنها تلقت تحذيراً مبطناً من جارتهم أم زكي أثناء حديثها مع والدتها حول تبعثر القمامة فقد كانوا يخفون السلاح تحت الزبالة خارج البيت.

مراحل التجربة النضالية:
يتمتع كاتب المذكرات بحرية إعادة تشكيل حياته بأي صورة يختارها. ويمكن تخيل ما يُتيحه ذلك من إمكانية اختيار ما يريد ذكره أو حذفه، والسؤال هنا: هل كل ما مرت به عايدة سعد من تجربة سجلته في مذكراتها؟. إن قارئ تجربتها يكتشف أنه ليس كل ما تعرفه أو مرت به ذكرته، فثمة العديد من المعلومات أخفتها ولم تبح بها، ويبقى تحت السرية التي عملت في ظلها، فهي لم تذكر في مذكراتها إلا أسماء الذين رحلوا أو الذين زامتهم في المعتقل، كما أنها لم تذكر أية معلومات عن الخلايا الثورية التي كانت في قطاع غزة، رغم بعض التعاون الذي كان قائماً بينها. لقد اختارت الراوية الأحداث التي أرادت أن تتوجها فوق خشبة المسرح مسلطة الضوء عليها، وهو ما يتعلق بتشكيل شخصيتها، وأخفت تحت ركام الذاكرة العديد من الأحداث، فهي التي حددت ما يهم القارئ أو ما لا يهمه.
لقد وضعت عايدة سعد بعض العناوين الفرعية في تسجيل تجربتها للدلالة على الحدث الذي تسرده، ولكن تجربتها كما قرأناها مرت بعدة مراحلها مبثوثة في ثنايا سرد الأحداث دون أن تشر إليها بشكل مباشر، وقد رصدنا تسع مراحل مرت بها في مذكراتها: المرحلة الأولى (بنت عائلة لاجئة من يافا)، والمرحلة الثانية (الانتماء والتنظيم والتدريب)، والمرحلة الثالثة (التدريب في عمان لتنفيذ العملية)، والمرحلة الرابعة (الاعتقال والتحقيق والتعذيب)، والمرحلة الخامسة (المحاكمة والسجن)، والمرحلة السادسة (العودة إلى التحقيق بعد اعتقال أفراد الخلية)، والمرحلة السابعة (سجن الرملة)، والمرحلة الثامنة (عملية النورس/ التحرر من الأسر)، والمرحلة التاسعة (العودة إلى العمل الثوري)، هذه المراحل جميعها هي التي شكلت مذكراتها ومسيرة تجربتها النضالية.
تلعب المؤثرات دوراً كبيراً في تكوين الشخصية وصقل رؤيتها للمستقبل، فهذه عايدة سعد رغم عدم معايشتها لتجربة تهجير عائلتها، إلا أنها أنصت للحديث عن عائلتها وكيفية دفعها للهجرة من يافا بقوة السلاح والارهاب. إن كارثة النكبة عمقت إحساس المرأة ووعيها بالوطن ومأساته، وخلقت معها روح المقاومة والتضحية والمشاركة في التنظيمات الثورية. لذلك لم تردد حين عرض عليها أخيها فوزي الانضمام للخلية. فقد كان أخيها فوزي ضمن الخلايا الثورية لحركة فتح، وكانت تراقب اجتماعاتهم وأحاديثهم عند لقاءاتهم في منزلهم بحي الصبرة، وتعرفت على أعضاء الخلية وعلى مهامهم.
في هذه الأجواء تفتحت عيناها على حب الثورة والنضال. بعد أن أصبحت عضوة في الخلية، بدأت في الالتزام بالجلسات التنظيمية، والتعرف على مبادي الحركة ونظامها الداخلي. كما مارست بعض الأعمال الفدائية مثل نقل القنابل من مكان إلى مكان آخر، وتسليم سلاح إلى الدكتور رشاد مسمار عند مستشفى الشفاء، وتأطير عناصر نسائية ودمجهن ضمن خلايا لا يزيد عددها عن ثلاثة أشخاص لا يعرفون بعضهم. وكانت السرية والتخفي من أوليات العمل التنظيمي. وكان يقود تنظيم فتح في تلك الفترة يوسف الزعيم (أبو نبيل). بعد لقائها معه بثلاثة أشهر يطلب منها السفر إلى عمان، وهناك تتلقى تدريباً على استخدام القنابل، وهي لم تكن تعلم أن تدريبها كان بهدف تنفيذها عملية فدائية.
بعد عودتها كلفت برصد مكان للجيش الاسرائيلي في قطاع غزة بالقرب من مقبرة ابن مروان الجنوبية. وكانت تراقب قوة عسكرية تقوم بدوريات ليلية وغير ليلية في مدينة غزة، ومن ضمنها مجنزرة مجهزة بقوة محمولة على مدار 24 ساعة تنطلق في مهام خاصة، كقوة تدخل سريع، وأنها تقوم بالمهام الخطرة، وتحمل علامة مميزة من أرقام، وحروف عبرية، واعتبرت القيادة أن هذه المركبة هدفاً هاماً يجب ضربه.
وفي اجتماع تنظيمي في بيت يوسف أبو جبارة يوم 15/3/1969 يشرح يوسف الزعيم خطة العملية وهي مهاجمة المجنزرة وهي محملة بقواتها، والتنفيذ يوم الأحد 16/3/1969، وحين وزع المهام على أعضاء الخلية كانت مهمة عايدة تنفيذ الهجوم. حينها شعرت أن روحها المعنوية عالية، وكانت تسير وهي عائدة إلى منزلها بخفة ونشاط غير طبيعي.
وفي اليوم التالي سارت عايدة ورفاقها حسب الخطة، وحينما اقتربت توزع رفاقها حول المكان وهي دخلت بوابة المقر، وألقت القنبلة الأولى على المجنزرة، فانفجرت بين طاقم الجنود الجالسين بها، ثم ألقت القنبلة الثانية على الجنود القادمين، وفي لحظة الانفجار شعرت بشيء يتطاير في الهواء ويصدم بصدرها، وقد أصيبت في صدرها ويدها جراء اطلاق النار، وتم اعتقالها.
تعرضت عايدة للتعذيب منذ اللحظات الأولى لاعتقالها، ورغم شدة التعذيب على أيدي الجنود إلا أنها لم تعترف على أحد ممن كان معها، حاولت أن تضلل الجيش أطول فترة ممكنة حتى يتمكن باقي رفاقها من التواري والاختباء. ثم نقلت إلى سجن غزة المركزي، وتولت المخابرات العسكرية التحقيق معها طوال شهر دون أن يحصلوا منها على أية معلومات عن رفاقها، وعن الخلية والتنظيم وأعضائه، وعن سفرها للأردن، وكل ما اعترفت به هو تنفيذها للعملية. حاولت المخابرات التلاعب بأعصابها ونفسيتها، وممارسة شتى صنوف التعذيب لكي يجبروها على الاعتراف على رفاقها، وبعدها نقلت إلى عنبر النساء في سجن غزة.
في مرحلة من مراحل التحقيق، قبل نقلها إلى عنبر النساء، طلبها مدير السجن (مار يونا) في مكتبه تقول: “كان شخص يقف بجوار مار يونا، لم أعرف من هو، ولم يعرفني عليه مار يونا، كما لم يعرفني بنفسه، فقط كان يقف وينظر إلي بتمعن”. وبعد انتهاء التحقيق ونقلها لعنبر النساء، عاد إليها هذا الشخص وقابلته، وعرفت أنه المحامي فايز أبو رحمة، وأخبرها أنه مكلف بالدفاع عنها، ومعه المحاميان أحمد أبو وردة، وفتحي عكيلة. وخلال حديثهما أخبرها عن تكليف الرئيس جمال عبد الناصر، إذ قال: “الرئيس عبد الناصر يهديك تحياته، وكلفني بالدفاع عنك”. شعرت حينها بأنها منحت أعلى وسام شرف يناله إنسان.
لقد أحدثت عملية عايدة صدى واسعاً في الخارج، وأثارت اهتمام الدول وزعماء العالم، فقد كانت إيذاناً بانطلاق الحرب الشعبية ضد الاحتلال الاسرائيلي، لذلك أولاها الرئيس جمال عبد الناصر اهتماماً خاصاً، تقديراً لنضالها على صغر سنها.
في صباح يوم 14/4/1969 نقلت عايدة سعد من السجن إلى مبنى المحاكمة، وطوال الطريق احتضنتها جماهير قطاع غزة بالورود والزهور، يهتفون باسمها، ويلوحون بأيديهم، وينثرون الزهور حولها وعلى رأسها، وكانت تحاول أن ترفع يديها مكبلتين لتحية الجماهير. مما يؤكد على احتضان الجماهير للمقاومة. ورجالها ونسائها.
بعد دخول القضاة والمدعي العام والمستشارين والمحامين، بدأت محكمة عايدة سعد التي واجهت التهم بالابتسامة، وقالت للمدعي العام: “أنا على أرضي وبين شعبي أحاكم، ما فعلته من أجل أهلي، وشعبي، ووطني، أنا لست متهمة، إن المتهم هو جيش اسرائيل، نحن المعتدى علينا، وأنتم المعتدون”. وقد تمكن المحامي أبو رحمة من تحويل منبر المحكمة، وأمام تعاطف الناس والعالم مع قضية عايدة، لشرح قضية فلسطين ومحاكمة الاحتلال الاسرائيلي، موضحاً أن دوافع الفدائيين هي مقاومة الاحتلال الذي اغتصب أرضهم وحولهم إلى لاجئين. في سبعة صفحات من المذكرات كانت المرافعة التاريخية التي قدمها المحامي. وبما أن الحكم محسوم ومقرر سلفاً، إنما الاجراءات شكلية، فقد تلى رئيس المحكمة خمسة تهم وجهت لعايدة وهي: تنفيذ عملية دمرت فيها المركبة (المجنزرة) وقتلت وجرحت جنوداً من الجيش الاسرائيلي، والانتماء لتنظيم حركة فتح، وحيازة سلاح، ونقل وتخزين السلاح، والتدريب على استخدام السلاح. وبناء عليها “حكمت المحكمة على المذنبة عايدة سعد في جلستها المنعقدة يوم 14/4/1969 في محكمة غزة بالسجن المؤبد عشرين سنة”.
هاجت القاعة وماجت منددة بالحكم الظالم. كان يوماً مشهوداً في تاريخ غزة، إذ وقفت جماهير غزة كلها عن بكرة أبيها تستقبلها وهي خارجة من قاعة المحكمة، تهتف وتندد بالاحتلال، وتناقلت الأخبار والصحف المحاكمة، التي كتبت “اسرائيل تحكم بالسجن المؤبد على فتاة لم تبلغ الثامنة عشر من عمرها. وعادت إلى عنبر النساء في سجن غزة المركزي.
بعد ستة أشهر من محاكمتها، عادوا إلى التحقيق معها، على إثر اعتقال محمد الغزاوي الذي قام بعملية عسكرية وألقي القبض عليه مع باقي أعضاء الخلية. كانت هذه المرحلة من التحقيق أقسى مراحل التعذيب التي مرت بها عايدة، لقد حاولوا انتزاع اعتراف منها على رفاقها الذين واجهوها بهم وهم في حالة يرثى لها من شدة التعذيب، ولكها بقيت صامدة، وتنكر معرفتها بهم. كان أقسي تعذيب شاهدته ما تعرض له القائد يوسف الزعيم، فهي لم تعرفه لتغير معالمه، وحين عرفها المحقق على اسمه اهتزت الأرض تحتها وارتجفت، وقال في نفسها: “والله لو عرفتك في المرة الأولى لاعترفت عليك، وقلت كل شيء، وتحملت أنا كل شيء، ولكني لم أعرفك من شدة ما لحق بك من تعذيب غير معالم شكلك”. فقد أصيبت بصدمة نفسية كبيرة لم تستطع خلال سنوات طويلة أن تتخلص منها، تقول: “عذراً يا سيدي، حتى وأنا أكتب هذه المذكرات، وأتحدث عن المشهد الذي أريتك فيه، لم أستطع أن أترجم الصراع النفسي الذي ما زلت أعاني منه”. دلالة على قسوة المشهد الذي عجزت عن مواجهته فسقطت مغشياً عليها. وبعد ثلاثة أيام في سعير الجحيم عادت إلى العنبر.
بعد تزايد العمليات الفدائية أصبح سجن غزة ممتلئ بالمناضلين، قررت إدارة السجون نقل المعتقلين ذوي الأحكام العالية إلى داخل اسرائيل، فتم نقل عايدة إلى سجن الرملة. وهناك تعرفت على المعتقلات: مريم شخشير، وعائشة عودة، ورسمية عودة، وأختها ليلى عودة، وعفيفة بنورة، وسهام الوزني، ورندة النابلسي، ولطيفة حواري، وسامية الطويل، وفاطمة برناوي، وقد شعرت بالسرور بوجودهن فهي كانت أصغرهن جميعاً في العمر، وأصبحن صديقات. وكانت أقربهن إلى قلبها فاطمة برناوي. لقد لمست عايدة الفروقات بين معتقل غزة ومعتقل الرملة من حيث نظام السجن، والفطور، والغداء، ومساحة الغرفة. كانت الحياة مختلفة، من حيث قضاء الوقت في الأنشطة والقراءة.
بعد عشر سنوات في المعتقل، وتحديداً يوم 12/3/1979 جرت عملية تبادل للأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال، حيث أفرج فيها عن 76 أسيراً، من بينهم 12 أسيرة، وذلك مقابل الجندي الإسرائيلي “أبراهام عميرام”، وحملت العملية اسم النورس، وهي تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي. كانت عايدة سعد من ضمن الأسيرات المفرج عنهن، بشرط إبعادها للخارج، وقد وافقت كما كل الأسرى المفرج عنهم على مبدأ الإبعاد. تروي تفاصيل عملية الإبعاد ونقلهم بالطائرة إلى جنيف، ثم إلى ليبيا، وبعدها إلى سورية، حيث كرمها الرئيس السوري بمنحها جواز السفر السوري.
والتقت عايدة بقيادتها السياسية والعسكرية، حيث عقد الرئيس أبو عمار اجتماعاً عاماً لكل الفصائل للاحتفال بتحررهم، وفي كلمته خيرهم بين العمل الثوري، أو ما يرغبون فيه، ثم طلب منهم التعارف، وطلبت عايدة الحديث فقالت: “أنا عايدة سعد ابنة غزة الثائرة، وابنة الثورة الفلسطينية، أنتقل اليوم من خندق بالداخل إلى خندق جديد للعمل الثوري في صفوف حركة تحرير فلسطين (فتح)”.
لقد اختارت عايدة العودة للعمل الثوري، ونقلت إلى بيروت للعمل في المكتب/ القطاع الغربي الذي يقوده خليل الوزير (بو جهاد). وكانت تحت قيادة صبحي أبو كرش الذي أشرف على تدريبها في عمان سابقاً، وتختم مذكراتها عن حياتها الشخصية. فقد تزوجت كما يتضح ولها ابنة اسمها فلسطين، وحفيدتين جنى وليلى.
تمثل مذكرات أو سيرة عايدة سعد سجلاً وطنياً يحكي عن حقبة زمنية في النضال الوطني الفلسطيني، يرتبط بنضال المرأة الفلسطينية، بكل تجلياتها المشرقة والخصبة. وتكمن أهمية هذه المذكرات في الكشف عن هذه المرحلة التي ما زالت مجهولة لدى الكثير من الباحثين والدارسين للتجارب النضالية للشعب الفلسطيني، وخاصة تجربة الأسيرات ودورهن في الكفاح المسلح، كان يمكن أن تبقى هذه المذكرات طي الكتمان، ولكن القدر سخر لها من انتزعها من براثين الظلام لترى النور على أيدي الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم الذي وجد هذه المذكرات لدى أخيها مهملة، فانتزعها وأعاد تحريرها ونشرها، فقدم بذلك وثيقة أدبية تاريخية أنصف بها دور المرأة الفلسطينية في الكفاح المسلح والنضال الوطني.

IMG 20230113 WA0068 - بالوميديا
عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق