سقى الله بيارات الحمضيات….. همسة عتاب محمود روقه

2020-04-11T12:48:11+02:00
2020-06-11T16:23:46+02:00
همسة عتاب
11 أبريل 2020آخر تحديث : منذ 4 أشهر
سقى الله بيارات الحمضيات….. همسة عتاب محمود روقه
محمد روقه

سقى الله بيارات الحمضيات
دخل فصل الربيع وأخذت درجات الحرارة قليلاً في الارتفاع، بدأتُ أمارس رياضة المشي على كورنيش البحر شمال غزة، أطلق العنان لبنات أفكاري باستعادة حالة المنطقة التي على مدى نظري، أينما تقع قوة الرؤية، أستحضر بيارات الحمضيات فيما كان يُعرف بمشروع ناصر ومشروع عامر (نسبة إلى الرئيس جمال عبد الناصر ووزير الدفاع المشير عبد الحكيم عامر)، حيث انتشرت بيارات البرتقال والليمون والكلمنتينا والكرفوت والفرنساوي وغيرها من أشجار الحمضيات وكانت تلك البيارات تلفها شجيرات الصبر أو أشجار الخشخاش إبان الحقبة الناصرية من زمن الادارة المصرية على قطاع غزة بعد نكبة 48 ، كانت تلك البيارات تقع شمال مخيم الشاطئ.
لا أبالغ في القول: في الربيع كنا نشم أريج الأزهار من على الطرف الشمالي للمخيم وتزداد عطورها الفواحة كلما اقتربنا من مشروع عامر، وما ان تسير في شوارعه الترابية أو الرملية الطينية بين بياراته على وقع موسيقى طقطقات مواتير المياه في هذه البيارة أو تلك وخرير مائها يعزف سيفمونية الربيع مع ألحان العصافير الطائرة من شجرة إلى أخرى في فضاء تلك البيارات التي يستبشر أصحابها خيراً بما تحمل من أزهار، فكلما زاد الزهر زاد الثمر …
المحزن في الأمر اليوم وأنا أسير شمالاً أفتقد لذاك الأريج المُنفلت من مشروع عامر وناصر، فقد أقتلعت تلك الأشجار وحل محلها العمارات والبيوت والشاليهات مختلف أشكالها، أراني أمام عمارات سكنية بدلاً من أشجار الحمضيات التي شممنا زهورها وأكلنا من برتقالها، أقول: مات الشجر أو الصحيح أمتناه في عشوائيات التخطيط العمراني، ولستُ بعافٍ لسياسة الاحتلال ومحاربتها لشجرة البرتقال الغزية، وتلك قصة أخرى لا مجال للخوض فيها هنا.
تلك كانت رائحة عطر البيارات المترامية الأطراف ليس فقط في مشروعي ناصر وعامر شمال غرب غزة المطلة غرباً على البحر الجميل …
وفي السياق تأخذني الذاكرة لمخيم الشاطئ، وكما أسلفتُ في أكثر من ذاكرة سجلتها ولدتُ في بيت من بيوته البسيطة وخطوت خطواتي الأولى في أزقته التي ضاقت فيما بعد ولربما لن تستطيع الآن تطليع عروس لبيت عريسها أو ميت إلى حيث المقبرة، راحت تلك الأزقة التي إلى حد ما كانت في سنواتها الأولى منتظمة ومتسعة قليلاً.
رغم ضيق البيوت وضيق الشوارع إلا أن بعضها غرس شجرة في فنائه (قاع الدار كما كان شائعاً)، أذكر في حارتنا من بلوك B شجرة الكيناء في دار جارنا المرحوم أبو احمد المسحال شرق دكان حسن عيادة، وفي دار حجاج ودار بهلول ودار المرحوم أبو خميس هندم شرق حسبة السمك العتيقة (الآن الشارع الواسع قليلاً فيما يعرف بحارة الصاوي)، ولربما كانت شجرات ليمون ودالية وتين وغيرها في بعض حواكير ملحقة بهذا البيت أو ذاك، حيث تعدت الناس ممن حالفهم الحظ على شارع واسع فقضمته… وأجمل ما في الحارة كانت شجرة تمرة الحناء الذاهبة للأعلى والمتفرعة فروعها وأغصانها أعلى قرميد دار جيراننا أبو حسن بلاطة، وكان أريج عطرها الفواح يملأ الحارة، وكلما احتاجت نسوة الحارة تزيين صينية الأرز وصندوقين التوفي من ماركة سلفانا باللون الأحمر أو الأزرق أرسلن أحد أولادهن الصغار إلى دار أبي حسن بلاطة لاحضار عرقين تمرة الحناء ومع عرقين ريحان يُغرزان في الأرز، في زفة عريس أو أي مباركة ومناسبة فرح آخر.
رغم ضيق بيوت المخيم كانت أمي آنذاك كما غالبية أمهات المخيم رحمهن الله تزرع الليف والقرع الأبيض (اليقطين أو الرقاب) بجانب الحائط داخل البيت في مساحة لا تزيد عن 30سم مربع ليتسلق الحائط ويمتدد فوق العريشة وليسبح فوق قرميد البيت ولربما امتدد على قرميد بيت الجيران (نحن بلوكنا كانت الوحدات السكنية منها ما تفتح جنوباً وأخرى في القفا تفتح شمالاً مشتركة في حائط يُمسى القسام وكان القرميد للجهتين يأخذ شكل ٨ جملون، على غير وحدات سكنية في بلوكات أخرى وكما المخيم الشمالي القرميد للوحدة الواحدة كان بشكل ٨) …
كان المخيم ببساطته يتعطر بأريج الياسمين والفتنة في بعض البيوت كما أحواض النعناع والعِطراية لتضيف لإبريق الشاي أو للسلطة مذاقاً خاصاً والريحان للزينة و أوراقه تطحن مع بزرة السمك مع قليل من البهارات لتضيف لكفتة السمك طعماً خاصاً.
كل هذا وذاك دار في حوار داخلي مع نفسي وأنا أسير شمالاً أفتقد عطر أزهار تلك البيارات في أيام الربيع، حتى أن أغنية الربيع التي كم سمعناها كثيراً وحفظتها عن ظهر قلب كلمات ولحناً جميلاً للموسيقار والمطرب الكبير فريد الأطرش والتي كانت الاذاعات تبثها كثيراً ايذاناً واحتفالاً بفصل الربيع لم نعد نسمعها هذه الأيام، وكأني بكل شيئ تغير، غاب عطر الربيع ولم يحمل الاثير عبر موجاته أغنية الربيع … حتى شم النسيم وأربعة أيوب على شاطئ بحرنا وموسم المنطار شرق غزة، كل هذا للأسف اختفى كما اختفت سلفانا وعِرقى الريحان وتمرة الحناء ورطل الأرز في الصواني فوق رؤوس النسوة بأثوابهن المجدلاوي والجنة والنار والبلتاجي وأبو متين والشمالي والقطيفة وغيرها. سقى الله أيام زمان!
طاب صباحكم من على كورنيش شمال غزة الآن …

FB IMG 1586601949668 - بالوميديا
FB IMG 1586601956574 - بالوميديا
كلمات دليلية
رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق