سايكس ــ بيكو وعبقرية الفتن … بقلم عدلي صادق

2018-11-29T02:06:10+02:00
مقالات وآراء
19 مايو 2016آخر تحديث : الخميس 29 نوفمبر 2018 - 2:06 صباحًا
سايكس ــ بيكو وعبقرية الفتن … بقلم عدلي صادق

استذكر عرب المشرق، مرور مائة عام، على اتفاقية سايكس بيكو، بين بريطانيا وفرنسا الاستعماريتين، بحضور روسيا القيصرية. ولعل حال العرب، اليوم، في مشرقهم، وفي الطرف الليبي لمغربهم، هو الذي استدعى التركيز على ذكرى إنفاذ الإرادة الإمبريالية، بتمزيق بلاد الشام وتجزئتها. فقد استفاق العرب، على حقيقة مريرة، وهي أن المآلات اليوم، في خارطة سايكس بيكو، هي أسوأ بكثير من بداياتها في الأمس. فبعد مائة عام على اتفاق المستعمرين على تقسيم بلادنا، بدت النهايات أقبح من البدايات، بل أصبح حالنا، بعد قرن من الزمن، أسوأ بكثير من حالنا بعد إسدال الستار عن الحرب العظمى الأولى، التي كانت بلادنا قد تحملت من وطئتها الكثير، على كل صعيد!

كنا، على هذه الشاشة، قد عرضنا تفصيلاً، لحكاية الاتفاق الذي عُرف باسم الشخصين المكلفيْن برسم خطته وخرائطه، وهما الضابط البريطاني مارك سايكس، والديبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو. كان المُكلفان، يعرفان المشرق العربي بمجتمعه وتضاريسه وقبائله، ويعرفان، لزوماً وتالياً، كيف يضعون الحدود والسدود، بين أبناء الأمة، وكيف يزرعان الضغائن. والرجلان، بتلك الثقافة، هما اللذان بقدورهما وضع الخطة التي تلبي أغراض حكومتيهما الاستعماريتين. فعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، التحق مارك سايكس بقوات الجيش البريطاني التي نقلته الى فرنسا مع الوحدات البريطانية هناك. وبمحض المصادفة وقعت عين القائد العسكري البريطاني العام عليه أثناء زيارة تفتيشية، فسأله “ما الذي جاء بك الى هنا؟” قال له إن مكانك في الشرق وأمره بتسليم قيادة وحدته الى نائبه والسفر فوراً الى المشرق العربي. فقد كان مطلوباً لمهمة محددة، وهي شطب مستقبل أمة، ووضع الحدود التي تستوطن مع الزمن، العقل والروح وأوهام الانتماء الى عناوين قطرية أو جنسيات. كان المستعمرون يعرفون، أن الأقطار الصغرى، وبخاصة عندما تضم قبائل ومذاهب مختلفة، سوف تنشغل طوال حياتها بقلق وجودي وسلطوي، وسوف تنتج الخارطة، مستبدين ولصوصاً عتاة، وخونة يعتمدون في بقائهم على المستعمر نفسه. هكذا كان. فبعد مائة عام، نرى في المشهد العام، أن أجزاءً كبرى من الأمة التي صارت شعوباً وقبائل ومذاهب؛ هربت من أوطانها بحثاً عن لقمة الخبز والأمان، أو تحاشياً للموت والنيران والتوحش.

كنا، قبل مائة عام، على موعد تراجيدي مع الكارثة، عندما فرض المستعمر على بلادنا العربية جغرافيا الجنون المديد. وكان تصريح آرثر بلفور، الذي زف البشرى الى اليهود الصهاينة، بأن الإرادة الاسعمارية ستعطيهم وطناً هو وطننا وبلادنا؛ الخطيئة الاستعمارية الأولى في مسلسل سايكس ــ بيكو. من هنا بدأت الاستباحة، ووضع المستعمرون ضمانتهم لاستمرار الحروب، إما بين الكيانات الصغيرة أو بين بعضها والكيان الصهيوني الذي جعلوه متفوقاً على العرب أجمعين. لقد رسموا كل شيء، لكي يظل العرب مقيمين في خانة العجز، ولكي يظلوا قاصرين حتى عن التصالح وحدهم، دونما راعٍ أو وسيط دولي. هكذا يجري اليوم، البت في مصير سوريا من قبل الأمريكيون والروس، ويتباحث في أمر ليبيا الإيطاليون والأمريكيون، ولا يرى أحد، في المؤتمرات الحاسمة، التي تقرر مصائرنا، قامة عربية، أو رأساً، يقف في مستوى الند، أو يتدخل لكي يحسم. وحتى المصالحة الفلسطينية، سمعنا أمس من يبشرنا بمؤتمر لها في سويسرا أو بلجيكا!

 كانت الأمة، كلما حاولت النهوض، لكي تتولى أمنها الإقليمي بنفسها وتمسك بناصية مصيرها، تفاجأن بأن المستعمرين يستخدمون رصيدهم الاحتياطي، في بلادنا، من الأذناب والمتزعمين الصغار الدونيين، ومن الطيف الإيديولوجي المتمحك بالدين، لكي يحاصروا مع المستعمر، الفكرة والتجربة، مثلما فعلوا مع جمال عبد الناصر. فمثلما كانت خرائط سايكس بيكو، معيبة وكاريكاتورية في خطوطها، كانت الهجمات على كل تجربة قومية نهوية؛ كاريكاتورية في حيثياتها، إذ يهجم المتخلف المنقوع في الاستبداد وإهدار الكرامة، بذريعة أنه يقاوم الديكتاتورية، ويهجم الفاسق الذي لا يتوضأ، على التجربة بحجة المروق على الدين أو الإلحاد، ويطالب القاتل الذي يزهق الأرواح، بالديموقراطية التي تعش الأرواح، ويزعم الجاسوس، أنه الأوفى لمصالح الشعب والحريص على رفاهيته!

لم يكن سايكس بيكو، حدوداً وخطوطاً وحسب. لقد أرادوا به، تأسيس قاعدة للثقافة الرديئة، ولتغذية الإحساس الجمعي للناس، بكل ما هو ذميم وكيدي وتافه. كان يُراد للمساحات التي رسمت على الورق، أن تكون، بضعفها أو بتوطؤها أو بحاجة سلطاتها الى سند استعماري؛ ضمانة لاستمرار اسرائيل قوية. وبالطبع، إن لدى معظم وجهاء العرب، من العبقرية في تخليق الفتن، ما يكفي الى يوم القيامة.

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق