الفلسطينيون لا ينسون أصدقاءهم الأوفياء،،، كتب حسان البلعاوي

16 أبريل 2022آخر تحديث : السبت 16 أبريل 2022 - 1:01 مساءً
قصص وحكايا
الفلسطينيون لا ينسون أصدقاءهم الأوفياء،،، كتب حسان البلعاوي

في ذكرى استشهاد القائد الرمز خليل الوزير أبو جهاد، أرسل لي الصحفي والكاتب الفرنسي الصديق  جاك ماري بورجيه صورة تجمعه مع القائد الرمز أبو جهاد وذلك خلال حصار طرابلس العسكري المزدوج في نهاية عام 1983 والذي تعرضت فيه منظمة التحرير الفلسطينية من قبل  النظامين السوري والليبي عبر أداة المنشقين من جهة ومن قبل قوات البحرية الإسرائيلية من جهة أخرى والتي كانت ترابط في الساحل اللبناني.

يذكر الصحفي والذي يغطي القضية الفلسطينية منذ عام نكسة حزيران 1967 بأنه لمس في نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية الشهيد أبو جهاد أنه رجل عظيم يتمتع بصفات مميزة من الإنسانية الشجاعة، الذكاء والصبر.

على مدار أكثر من 40 عاما كانت للصحفي الفرنسي الشجاع حوارات وجولات عديدة في الميدان الفلسطيني في الأردن، وفي  لبنان، وفي تونس، وفي العديد من العواصم العربية وأخيرا في فلسطين.

رافق في إحدى المرات الرئيس القائد العام ياسر عرفات في إحدى جولاته الخارجية في أماكن  تواجد الثورة الفلسطينية وأجرى معه حوارا مستفيضا على متن طائرته الخاصة والتي كانت تقله من القاهرة إلى صنعاء في منتصف الثمانينيات، وفي تلك الجولة كانت معه المصورة الفرنسية الراحلة  فرانسواز ديملدير وهي صاحبة الصورة الشهيرة لمذبحة الكارنتينا في لبنان في 18 يناير 1976، مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية, حيث ذهب ضحية هذه المذبحة الشهيرة مئات المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين بعد هجوم شنته الميليشيات الانعزالية من حزب الكتائب ونمور الأحرار وحراس الأرز على منطقه الكرنتينا – المسلخ في بيروت.

ولد جاك ماري بورجيه في 5 يوليو 1943 في منطقة مارين لالوار في فرنسا وبدأ عمله كصحفي في هيئة الإذاعة والتلفزة الفرنسية الرسمية l’ORTF وعمل بعدها كمراسل متجول لصالح كبرى وسائل الإعلام الفرنسية مثلL’Aurore, Le Canard enchaîné, L’Express, VSD, Paris Match,  وغطى العديد من البؤر الساخنة في العالم بدءا من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية في حزيران 1967، مرورا بحروب فيتنام، والسلفادور ولبنان

والعديد من النزاعات في أفريقيا، وحرب الخليج وحروب يوغسلافيا السابقة، وصولا إلى تغطية الانتفاضتين الأولى والثانية في فلسطين.

وفاز جاك ماري بورجيه في عام 1985 بجائزة صحفية رفيعة اسمها Scoop لدوره في كشف النقاب عن قضية عرفت باسم غرينبيس وهي سياسية إعلامية بيئية شغلت الرأي العام الفرنسي والدولي، وتتناول التخريب الذي تعرضت له السفينة الرئيسية لمنظمة السلام الأخضر البيئية، رينبو واريور، من قبل المخابرات الفرنسية في 10 يوليو 1985، بالإضافة إلى عواقبها الإعلامية والسياسية والقانونية. كانت السفينة، التي رست في نيوزيلندا، جاهزة للإبحار إلى جزيرة موروروا المرجانية من أجل عرقلة التجارب النووية الفرنسية والاحتجاج عليها وكان هذا العمل، الذي يشكل انتهاكا لسيادة دولة نيوزيلندا، سبب التوترات بين البلدين وكانت له عواقب على علاقاتهما السياسية والاقتصادية.

في 21 أكتوبر2000، كان الصحفي الفرنسي على موعد مصيري في حياته كاد يطيح بها، ففي مثل هذا اليوم وخلال تغطيته لأحداث الانتفاضة الثانية في فلسطين، لمجلة باري ماتش الفرنسية الشهيرة أصيب الصحفي بجروح خطيرة جراء إطلاق قناص من جيش الاحتلال الإسرائيلي النار عليه في الساحة الرئيسية في رام الله بالضفة الغربية.

ويذكر بورجيه للعديد من وسائل الإعلام، أنه وخلال تغطيته لبداية الانتفاضة الثانية في غزة وعندما ذهب إلى مطار تل أبيب في 21 أكتوبر 2000، ظهرا ومعه زميله المصور تييري إيش، لإرسال أفلامهما إلى هناك، بعد أن أمضيا عشرة أيام في تغطية الأحداث الساخنة في فلسطين، توجها بعد ذلك إلى رام الله في مطلع الظهيرة وكانا شاهدين على مواجهات متقطعة بين عدد من الشبان الفلسطينيين وجنود الاحتلال في منطقة تقابل فندق “سيتي إن”، والذي استولى عليه حينها جيش الاحتلال، حين أطلق جندي قناص كان متواجدا في إحدى غرف الفندق النار على الصحفي الذي كان مختبئا خلف أحد الجدران.

سارعت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، والتي كانت متواجدة في المكان إلى نقل جاك ماري بورجيه إلى المشفى المركزي في رام الله، وسرعان ما أدرك الأطباء خطورة وضعه.

 الصحفي في غيبوبة وأصيبت رئته اليسرى بأضرار بالغة، ورأت إدارة المشفى أن الوضع الصحي للصحفي الفرنسي مقلق للغاية وأنه لا تتوفر لديها الإمكانات الطبية الكافية لإنقاذ حياته فطلبت نقله إلى مشفى إسرائيلي مجهز بشكل أفضل في منطقة القدس، لكن الطلب الطبي الفلسطيني جوبه برفض إسرائيلي الأمر الذي جعل الطاقم الطبي الفلسطيني يعطي الأولوية للجريح الفرنسي لإنقاذ حياته ويطلق نداء عبر الإذاعة الفلسطينية للتبرع بالدم للجريح ولبى النداء عشرات الشبان الفلسطينيين والذين اصطفوا بالدور للتبرع بالدم، ونجح الجراحون الفلسطينيون في عملية أقرب إلى المعجزة بإنقاذ حياة جاك ماري بورجيه.

الرئيس ياسر عرفات والمتواجد حينها في غزة، كان يتابع الحالة الصحية للجريح الفرنسي بأدق التفاصيل ووافق على الإدلاء بحديث صحفي استثنائي لمجلة “باري ماتش” الفرنسية والتي كان الصحفي جاك ماري بورجيه ينجز تقريرا لها، وأرسلت إدارة  تحرير المجلة من باريس الصحفية والمصورة الفرنسية الراحلة فرانسواز ديملدير لتجري الحوار مع الرئيس عرفات وكنت شخصيا من قام بالترجمة بين اللغتين الفرنسية والعربية للمقابلة في “المنتدى” مقر الرئاسة حينها في غزة.

من جهته وفي الطرف الآخر في العالم وفي الصين تحديدا حيث كان الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، المتواجد في زيارة رسمية، يتابع قضية المواطن الفرنسي الجريح برصاص إسرائيلي وعلى تواصل مستمر مع صديقه الرئيس ياسر عرفات، وأمر بأن يتم إرسال طائرة خاصة إلى تل أبيب تعيد الجريح الفرنسي، إلى باريس حال استقرار حالته الصحية في مشفى رام الله، وقد تطلب الأمر أن يخاطب الرئيس شيراك هاتفيا رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، لترفع سلطات الاحتلال العقبات أمام وصول سيارة إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني والتي كانت تقل الصحفي الكبير يرافقه آنذاك القنصل الفرنسي العام في القدس دينيس بيتون، إلى الطائرة الفرنسية في مطار تل أبيب.

بعودته تدريجيا إلى الحياة مع إعاقة في جزء من جسمه، بدأ الصحفي الفرنسي في مطلع عام 2002 معركة قضائية ضد دولة الاحتلال، حيث إنه قدم أمام محكمة باريس الكبرى دعوى بتهمة “القتل المتعمد”،

وقد استمرت هذه الدعوى على مدار أكثر من عشرين عاما، وما زالت مفتوحة حتى يومنا هذا، حيث ترفض فيه السلطات القضائية والسياسية الإسرائيلية الاعتراف بمسؤوليتها بإطلاق النار على مدني صحفي والذي كاد يودي بحياة المراسل الفرنسي الكبير لولا عناية الله وبراعة الأطباء الفلسطينيين في مشفى رام الله.

بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في جسد وروح المراسل الفرنسي، فكتب في أيلول 2012 هو وزميل مصور فرنسي اسمه مارك سيمون كتابا بعنوان: “صبرا وشاتيلا، في قلب المجزرة” حيث يعودان في هذا الكتاب، بعد 30 عاما، إلى حضورهما شخصيا لهذه الجريمة التاريخية، ستة أيام بعد وقوعها في مخيمي صبرا وشاتيلا.

الكتاب يشمل التقارير الصحفية التي كتبها حينها الإعلاميان والتي تظهر التواطؤ الكامل بين الحكومة الإسرائيلية والميليشيات اليمينية الانعزالية المسيحية في تنفيذ المجزرة، كما يشير الكتاب إلى مسؤولية الدول الغربية، بما فيها فرنسا، إزاء جريمة العصر، حيث كان من المقرر أن تقوم قوات هذه الدول والمتواجدة حينها في بيروت بحماية المخيمات الفلسطينية طبقا للتعهد الذي أطلقته هذه الدول لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بحماية سكان هذه المخيمات نظير خروج قواتها العسكرية من بيروت بعد 3 أشهر من الغزو الإسرائيلي لأول عاصمة عربية.

عن االحياة الجديدة

عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق