الشيخ الجليل موسى غبن (ابو عثمان)

2019-12-25T03:58:03+02:00
2019-12-25T11:10:56+02:00
شخصية الأسبوع
25 ديسمبر 2019آخر تحديث : الأربعاء 25 ديسمبر 2019 - 11:10 صباحًا
الشيخ الجليل موسى غبن (ابو عثمان)

الشيخ الجليل موسى غبن ” أبو عثمان”
علم من أعلام فلسطين بعامة ومخيم الشاطئ بخاصة …

من مواليد قرية اسدود عام 1906، ترعرع مع أخيه عيسى وأختين في بيت والده، في الثالثة من عمره أصبح كفيفاً، لكن هذا لم يحرمه نعمة التعليم في الكُتَّاب، فحفظ القرآن الكريم وتدرج في مواصلة علوم الدين إلى أن أصبح طالباً من طلاب الأزهر الشريف، وتعمق في علوم القرآن الكريم تفسيراً وأحكاماً، كما الفقه والشرعية وغيرها من علوم الدين، يوم كان الأزهر بنظام الأعمدة مثلما طه حسين، كان الشيخ موسى أول من عاد إلى قريته اسدود بشهادة العالمية الأزهرية في العام 1943، فقيهاً وعالماً وشيخاً جليلاً. جايله الشيخ السوافيري والشيخ هاشم الخزندار والشيخ محمد عواد و آخرون.

شاباً عمل بالتجارة، تجارة الحلال (الأغنام والخراف) مع شريك، وتجارة الغلال. وكان له وشريك من عائلة أبو شملة بابور طحين (مطحنة الحبوب)، وكان يشرف على المطحنة ويذهب إلى يافا ويحضر قطع الغيار للبابور في حال خربت بعض قطعه. كان نبيهاً وناجحاً في تجارته.
عوضه الله بحاسة اللمس ومعرفة الصوت للتعرف على الاشخاص، يكفيه أن يلتقيك مرة واحدة ليظل على معرفة بك ولو غبتَ عنه سنوات.

ذات مرة وبعد انتهاء سوق الحلال الاسبوعي فقد خروفاً من خرافه، تعرف عليه بعد اسبوع، واخرج ذاك الخروف من خراف تاجر آخر، لكن كيف يقنع ذاك التاجر، واتفقوا على دمج الخروف بين عشرات الخراف التي في السوق، وراح الشيخ موسى يتحسس الخراف واحداً تلو الآخر وعثر عليه، وعاد له خروفه.
موقف آخر، كيف نط الشيخ موسى البئر، بينما كان بعض الشباب يحفرون بئراً في بيارة من بيارات اسدود، أخذ بعضهم يتبارون فيما بينهم (طبعاً مبصرون) بنط البئر، قُطرها لربما متران …، واستعد الشيخ لنط البئر، استغرب الحضور وحالوا دون ذلك، لكنه صمم على نطها، أي من الحافة إلى الحافة المقابلة … وراح الشيخ يتحسس المسافات ومعرفة طول قطرها، وخطوات إلى الوراء، وجرى وقفز، واذا به يقفز البئر للجهة المقابلة.

هُجِّر شيخنا وأهله كما عامة شعبنا الفلسطيني من قريته اسدود إثر نكبة فلسطين في العام 1948، وسكنوا في الخيام في معسكر الشوا بغزة، وسكن مخيم الشاطئ، الذي أنشاته وكالة غوث وتشغيل اللآجئين (الأونروا)، وكان بيته يفتح على شارع واسع نسبياً، الأمر الذي جعله يفتح دكاناً لبيع الحبوب والبقوليات، وكان يديرها بنفسه وزوجته أم عثمان، وكانت له دكاناً أخرى الى جانب دكاكين المخيم على سطر دكان حسين نشوان (سكيبة)، لكنني ما وعيت عليها، عرفتُ هذه المعلومة من ابنه الصديق والزميل عبد الرؤوف (ابن صفي) …

كان شيخنا الجليل يزن الغلال وغيرها من المواد بسهولة، يعرف الصنف والأوزان كما المُبصرين، ويعرف النقود المعدنية كما الورقية بحاسة اللمس والتحسس والمقاسات. ومن نوادره، أن جاء أحد الزبون متعمداً ومعه ورقة عادية بنفس مقاس ورقة نقدية رسمية، طلب قمحاً وبعد ان وزن له الشيخ القمح، مد الزبون الورقة على انها ورقة نقدية وانتظر ان يرجع له الشيخ باقي الفلوس … اخذ الشيخ كالعادة بفحص الورقة، وبعد لحظات رمى الشيخ الورقة في وجه هذا الزبون، وقال علي يا محترم ههه، إلعب غيرها.

بنى شيخنا الجامع الغربي والذي كان بجانب نقطة الشرطة في المخيم وجمعية تحفيظ القرآن التابعة له، وعين إماماً له، ومن يومها سُميَّ الجامع باسمه (جامع الشيخ موسى)، كانت خطبته – خطبة الجمعة – ودروسه مميزة باسلوبه ومواضيعها الفقهية وأمور الدين والدنيا ذات الموعظة الحسنة.
كان شيخنا يرتدي القمباز والعباءة والعمة على الرأس، وكان يخرج من بيته الى الزقاق الخلفي لبيته مشياً على الاقدام وبعكازه الخفيفة يتحسس الطريق وصولاً إلى الجامع قبل مواعيد الصلاة حاضراً وحيث المحراب.

وأذكر اذا ما أذن المؤذن وقام لصعود المنبر، قام الشيخ من المحراب واستدار يُمنة وتحسس حائط المنبر وأمسك بيديه طرفي المنبر وصعد …
ويذكر لي الصديق عبد الرؤوف أثناء اصطحابه الوالد مشياً في ذاك الزقاق باتجاه الجامع فجراً، كان الشيخ يحذره من العتبات والمطبات ومن جورة أم سهيل وام بدر في الزقاق ومن شباك أم فلان، الذي إذا ما زُغتَ عنه يصدمك براسك.

وكان الشيخ ملتزماً بمسجده لا يفارقه ولا يخرج إلى مسجد آخر لخطبة جمعة او غيرها. وكان يستأذنه بعض المشايخ لإلقاء خطبة جمعة أو دروس في مسجده وعلى وجه الخصوص في شهر رمضان … اذكر الشيخ سليم شراب والشيخ احمد عبد الرازق والشيخ احمد ياسين وشيخ من آل أبو كويك وأبو مازن وآخرون.

ودرَّسَ الشيخ في جمعية تحفيظ القرآن التابعة للجامع مع الشيخ الحملاوي وأبو يحيى، وتعاقب على الآذان ابو يحيى عقيلان صاحب الصوت الجهوري الجميل وابو فاروق، اللذان كانا يصعدان المِئذنة …
كان الجامع يُضاء بالفوانيس بداخلها مصباح الكاز، وتقدم الوضع ودخلت الكهرباء الجامع ليُضاء باللمبات الكهربائية، واعتلت مكبرات الصوت المِئذنة فيما بعد.
كان لشيخنا وكبار الوجهاء والمخاتير بغزة موقفاً وطنياً حين رفض التعامل في بداية السبعينيات من القرن الماضي مع مطلب الحاكم العسكري الاسرائيلي لقطاع غزة بأن يروضوا الفدائية آنذاك ويحضروهم له، أجابه الشيخ: إذا انت لا تستطيع ولستَ بقادر ، فكيف تطلب منا ذلك، ثم كيف لنا أن نلبي طلبك؟!! لا إنت قُلْتَ ولا نحن سمعنا … ولا تعيدها مرة ثانية.

كان معروفاً عن الشيخ وفي كل خطبة الدعاء على اليهود بأن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ويدعو اللهَ ان يفك قيد الأسرى وتحريرهم من سجون الاحتلال. ولهذا اشترط أبو جرير في اذاعة صوت اسرائيل على الشيخ موسى بأن لا يدعو بهذا الدعاء لينقل خطبة الجمعة من مسجد الشيخ موسى … فرفض شيخنا الجليل هذا الشرط وبالتالي لم يحضر أبو جرير لنقل الخطبة.
نذكر أن شيخنا تزوج من صاحبة النصيب وأنجبا أربعة أولاد (عثمان واسماعيل وحلمي وعبد الرؤوف) وبنتين.

واذكر ان حلمي في العام 1971 حكم عليه من قبل سلطات الاحتلال بالسجن المؤبد وتحرر في العام 1985 عبر صفقة التبادل، والتي عُرفتْ بصفقة أحمد جبريل، وهو صحفي ومحلل سياسي مشهور باسم (حلمي موسى)، وعبد الرؤوف سُجن خمس مرات ادارياً بعد عودته من دراسته الجامعية في مصر.
في صغري كنتُ ملتزماً في جامع حارتنا، الذي كما أسلفتُ عرف بجامع الشيخ موسى، وما أن وصلتُ الصف الأول الاعدادي كُنتُ أقرأُ القرآن جيداً جداً إن لم أقل بامتياز، وكنتُ في شهر رمضان محظوظاً بأن يختارني الشيخ موسى لأُتبع له تسميع القرآن قبل صلاة العصر بساعة أو أكثر، وكان يعرفني من صوتي، حين كُنتُ أطرح عليه السلام، يقول لي: تعال يا محمود واحضر المصحف وافتح صفحة كذا وتبع معي … وهكذا، كان له فضل كبير عليَّ في اللغة العربية وقواعدها.

بالتأكيد هناك الكثير من المواقف في حياة شخينا الجليل، فقد شكل مدرسة علمية تربوية ونضالية يُحتذى بها، وكانت أخلاقه وطيبة قلبه وعلمه ومعرفته موضع احترام وتقدير لدى الجميع من أهل مخيم الشاطئ خاصة واهل القطاع عامة.
وعودة إلى ملكة معرفة الناس من خلال اللمس أوالصوت، ذكر لي الزميل عبد الرؤوف، أنه جاء رجل وسلم على والده في العام 1982، ودون ان يتكلم، سلم على الشيخ، تحسس الشيخ يد الرجل كعادته للتعرف على من يسلم عليه، حاول وحاول مرات، قائلاً: هذه يد من زمان ما مرتْ عليَّ، وعندما تكلم الرجل، صاح الشيخ على الفور … عبد الرحمن، لقد كان هذا الرجل شريك والده بتجارة الاغنام في البلد – اسدود، غاب غيبة طويلة من زمن النكبة لحين لقائه هذا، لم يلتقِ الشيخ.
توفاه الله في العام 1992 بعد شهرين على مرضه …
رحم الله شيخنا أبو عثمان وأسكنه فسيح جناته.

(الصور زودني بها مشكوراً الأخ والصديق والزميل عبد الرؤوف – أبو موسى). ولا أخفي عليكم أنني ما أن شاهدتُ صورة الشيخ تأثرتُ كثيراً ووقفتُ مُحدقاً فيها وعُدت للوراء أربعين عاماً ونيف.

عن صفحة محمود روقه

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق