الدولة العميقة ودورها الخفي في العالم الافتراضي،، بقلم : عماد خالد رحمة

2021-10-10T21:05:10+02:00
مقالات وآراء
10 أكتوبر 2021آخر تحديث : الأحد 10 أكتوبر 2021 - 9:05 مساءً
الدولة العميقة ودورها الخفي في العالم الافتراضي،، بقلم : عماد خالد رحمة

نتيجة لتطورات العمل السياسي والعسكري والأمني تلجأ بعض الدول بما تملكه من عقلية مؤامراتية إلى صناعة ما بات يُعرَف بالدولة المتجذرة أو دولة داخل دولة (الدولة العميقة (Deep stateوهو مفهوم شائع غير اختصاصي يُستخدم لوصف أجهزة حكم غير منتخبة تتحكم بمصير الدولة أو المؤسسات البيروقراطية ،كمؤسسات الأمن،والمخابرات ،ومؤسسات الجيش، والمؤسسات المدنية أو الأحزاب الحاكمة .كل ذلك بهدف الحفاظ على مصالح الدولة كنظام حكم وسلطة .كل ذلك يفترض بأنَّ الدولة العميقة عناصر موجودة داخل مؤسسات ومفاصل الدولة المدنية والسياسية والعسكرية والإعلامية والأمنية .وتقدر هذه العناصر التي تعمل صوب أهداف مشتركة من التأثير وتوجيه مؤسسات الدولة الرسمية وقراراتها السياسية.
هذا المصطلح هو الأوسع انتشاراً في هذه الفترة ( الدولة العميقة Deep state) والمقصود بها السلطة القوية العميقة التي تدير تفاصيل القرارات التنفيذية، وحتى تتدخل وتصل إلى تكوين بيئات قانونية وتشريعية ،وحتى قضائية لتشكل شبكة أمان وحماية لمجمل رؤاها وتوجهاتها وسياساتها وغاياتها في مختلف النظم والمجتمعات الواقعية المعاشة ،مروراً بالكيانات التي تتمتع بالشخصية المعنوية والشخصية الاعتبارية ،وصولاً إلى العالم الافتراضي ووسائله واستطالاته وأدواته التي باتت جزءاً رئيسياً من الحياة اليومية المعيشة لسكان كوكبنا الأزرق الذي بات كقرية كونية.
ما حصل في الخامس من شهر تشرين الأول الجاري، في العالم الافتراضي، ووسائل التواصل الاجتماعي اعتبر سابقة غير مسبوقة لجهة شمولية الحدث، ومدى اتساعه وتأثيراته وتداعياته واستحقاقاته المختلفة. فهو لا يعدو كونه عطلاً فنياً أو تقنياً أو بشرياً، أو غير ذلك، بقدر ما هو مؤشرات هامة يمكن أن تؤسس لسياقات سلوكية مغايرة ومحاولة استقراء ردود فعل البشر الذين يستخدمون تلك التقنيات على كوكبنا ،ما حصل يمكن أيضاً أن يتنامى ويشكل بيئات أشد خطورة على المجتمع البشري وطريقة حياته وتعامله وتواصله وتعاطيه اليومي معها.
فالمشكلة التي حدثت في شركة ال(فيس بوك Facebook) وما تستحوذ عليه من تطبيقات مثل (الواتس أب Watsapp)و(الإنستغرام Instagram)وغيرها، جمَّدت وعطَّلت اتصالات مليارين وسبعمئة مليون إنسان وكيان على كوكبنا الأزرق، أي ما مجموعه ثلث البشرية، وهو رقم ضخم جداً ومهول في حسابات تلك الأعمال والقيم التداولية العملية والفعلية، كما وصلت التقديرات لمجمل الخسائر المالية الأولية لأسهم الشركة إلى نحو 6%، أي ما يوازي تقريباً سبعة مليارات دولار خسائر لصاحب شركة ال(فيس بوك Facebook)، عدا عن حاملي الأسهم، إضافة إلى السلع والمنتجات المتداولة عبر التطبيقات المختلفة والإعلانات التي تدرّ أموالاً طائلة ، ذلك كله خلال ساعات معدودة لا أكثر،ما يطرح أسئلة محورية وأساسية يجب البحث عن إجابات لها دون تأخير .
في المبدأ،وفي المنطق العقلي لا مفر ولا مناص من وجود بعض الأخطاء الفنية أو التقنية الناجمة عن عمل بشري، أو نتيجة ثغرة طارئة في البرامج والتطبيقات أو خلل في أحد محركات البحث العملاقة ،وهو أمرٌ وارد تماماً ومعرّض له في أي لحظة، إلّا أّنّ من غير الواضح، أو حتى غير المقبول على الإطلاق ،أن تبقى تلك الأحداث مجرد حدث عابر تمر سريعاً ولا يتم التوقف عنده، فنوعية العطل هو مريب ومشكوك في أمره ،ولم يتم الإفصاح عنه وبقي سرياً ،سوى ببيان مقتضب لا يتماثل مع حجم الكارثة الهائل التي تسبب بها العطل، كأنه حدث عادي عابر يمكن أن يمر بلا تدقيق أو احتساب أو مراجعة ، فيما، واقعياً، وصل الأمر إلى مؤسسات ومواقع حساسة لها علاقة بالأمن البشري ومستلزماته وضرورياته ،ما يثير أسئلة كثيرة حول من المسؤول عما جرى ،وهل سيجري ذلك مستقبلاً ،ومن يدير الأمر في المستويات الاستراتيجية العليا الغير منظورة .
في الفترات السابقة جرى الكثير من الأحداث المشابهة لكن أقل بكثير من مستوى ما حدث في الخامس من شهر تشرين الأول الجاري. كانت تلك الأحداث تسند القضايا إلى (الهاكرز Hacker )، بمختلف مشاربهم دوافعهم وميولهم ومن يقف وراءهم ويدعمهم ،أما اليوم فالموضوع مختلف تماماً ،فهو بحجم مؤسسة تقف خلفها سلطة عميقة أو(دولة عميقة Deep state)دخلت إلى العمل الافتراضي الدولي بكل جرأة وقوة ،وهي تدرك تماماً ماذا تفعل وما تقوم به ،والى أين ستصل، وما تريد، وما هي أهدافها الاستراتيجية القريبة والبعيدة .هذه السلطة تدير حروباً تكنولوجية متعددة الطبقات والمستويات والاستطالات غير متناسين الحروب السبرانية .كما تدير منافسات اقتصادية ضخمة وصلت إلى مستويات الصراعات الحادة ،وإن لم تصل إلى مستويات عسكرية أو القيام بحروب دموية شاملة ،وعلى الرغم من ذلك فهي أشد قساوةً وفتكاً وخطورة لما يمكن أن تصل إليه من اتساعٍ وشموليةٍ في الأضرارالخطيرة العامة.
إن دخول ( الدولة العميقة Deep state) في العوالم الافتراضية التي يتعاطى معها مليارات من البشر، هو مؤشر خطر له دلالاته الواضحة وهو من نوع آخر لا يمكن تجاوزها أو من الصعب إغفالها والتغاضي عنها ،أو التدقيق فيها، فهو خطر غير مرئي يتعاطى مع الواقع بوسائل افتراضية شديدة القوة والتأثير والضرر كما تم التعبير عنه غير مرَّة في وسائل الإعلام العالمية .وحجم ما تحدثه لا يمكن لمجتمع بعينه تحمّله أو تجاوز تبعاته ،أو حتى تفادي نتائجها الجمة إن أمكن.
ما يثير الاستغراب لدى مليارات البشرهو كيفية التعامل مع طبيعة ما جرى ،وهو أمرٌ ليس بالقليل لأنه أصاب أكثر من ثلث البشرية في صميم علاقاتها وتواصلها المستمر مع العالم ،ووسائل حياتها المعيشة اليومية ،وهي في الوقت نفسه مكبّلة اليدين تنتظر من يحل المشكلة، وهي بيد قلة قليلة من الخبراء والفنيين المتخصصين لهم مصلحة مباشرة في التحكم العالمي والاستثمار على الصعيد الدولي، وعليه فإن حجم القلق وعدم التوازن عند التدقيق فيه يفوق التصور، بخاصة إذا لامست هذه الأعطال إن كانت فنية أو بشرية البيئات المتصلة بأمن ومستقبل حياة البشرية والإنسانية جمعاء. إنها ضريبة لمزايا القرية الكونية التي ما زلنا نتغنى بها.

المصدر: الكاتب للمركز الفلسطينى الأوروبى للإعلام

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق