الحرية والإرادة الواعية ضمن سطوة الإيديولوجيا،، قراءة إمبريقية

28 ديسمبر 2021آخر تحديث : الثلاثاء 28 ديسمبر 2021 - 3:26 مساءً
مقالات وآراء
الحرية والإرادة الواعية ضمن سطوة الإيديولوجيا،، قراءة إمبريقية

بقلم : عماد خالد رحمة – برلين
تُعتبر الحرية من أهم الحقوق الضرورية التي يجب أن يتمتع بها أيّ إنسان على وجه البسيطة، وهي حق ثابت ومتجذر لجميع البشر على كوكبنا، فليس لأحدٍ أن يتجرّأ على حرمان آخر منها ومنعها عنه، أو إنقاصها، أو تحديدها فهي غير قابلة للتصرّف، كما أنّ الحرية تُشعِر الفرد بأهميّة دوره الإنساني الفاعل في الحياة، بل بفعلية وجوده، واكتمال إنسانيّته المزينة بالكرامة، ويُعتبر اختيار الإنسان لمأكله، ومشربه، وطبيعة لباسه، ومكان عمله وسكناه، من أبسط مظاهر الحرية التي يُمكن التحدّث عنها بصراحةٍ مطلقة، وتتعداها هذه المظاهر إلى حرية الفكر والتعبير عن الرأي، والحق في التعدّد والاختلاف والتنوع، وغيرها من صور وأشكال الحريات، ومفهوم الحريّة تتعدد تعريفاته لكنه غير محصور بجملة معيّنة أو تعريف بعينه، فالحرية الكلمة التي يستطيع كلّ إنسان الشعور بها من خلال الممارسة العملية في الحياة العامة والخاصة، وهي الفضاء الفسيح الذي يُمكن للإنسان التحرّك من خلاله دون أن يشعر بنقصان، أو إهانة، أو عيب، ودون أن يخدش فضاء الآخرين أو إيذائهم، حيث يُقال تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين.
وهكذا فالحرية فعلٌ واعٍ بالضرورة. ولا وجود لأيّ حرية من غير وعي بها، وبالذات بما هي ذات واعية حرّة. واقتران الحرية بالوعي الذاتي مصدره ومنهله الأوّل من اقتران الحرية بالإرادة، إذ الإرادة شرط أساسي وجود للحرية، وما من إنسان يملك حريته إن لم يملك إرادته بشكلٍ كامل، لأنَّ حريته ليست أكثر من التعبير عن إرادته الخارجة من كل إطار تقييدي. ولكن الإرادة نفسها متوقفة الوجود على الوعي والوعي الذاتي. ومما لا شك فيه أنَّ الإنسان لا يشعر بغيابه عن الفعل والتأثير إذا سلّم عقله لمسلّماتٍ وبديهيات لا ترتقي عنده إلى مستوى النقد أيضاً. لا يشعر الإنسان بعجزه عن ممارسة حريته، إذا لم يؤمن أولًا بأنه حر وغير مقيَّد، ويمارس تفكيره بحرية، ويقبل حدود هذه الحرية بإرادته المتعقلة التي تستوعب متطلبات الزمان والمكان وتستجيب لها بكامل وعيها. وفي هذا السياق يقول الكاتب النمساوي كارل كلاس (1874-1936) م: (عندما تنخفض شمس الحضارة، فإن الأقزام بالذات يُلقون ظلالًا طويلة). هذه المقولة لها مدلول قوي بخاصة في مثل هذه الظروف التي يُغيَّب المثقفون الحقيقيون خلف أكداس (المتثاقفين) و(المتعالمين ) و (المتفيقهين) والرويبضة من كل صوب، ويتقدم على الجميع (مثقفو الطوائف)، ومثقفوا التضليل الذين تقف خلفهم حراب الميليشيات والجماعات العصبوية. لم تعد الطوائف والجماعات العصبوية مجرد شرانق تلتف حول نفسها، بل صارت ذئاباً تحتفي بأنيابها عند كل مناسبة ،وتكشف عن حاجتها لدمائنا، لكن أبواقها المدرّبة تدريباً منهجياً تتحوّل إلى حَمْلٍ وديع يذرف الدمع وتتستَّر تحت عباءة المسكنة عندما يتعلق الأمر بشعورها بـ (مظلومية) ما.
نحن لا نريد إلا ما نعيه وندركه أنه من حاجاتنا ومتطلباتنا الأساسية والضرورية ، وما نعي أن ذواتنا قادرة على تحقيقه أو بلوغه بنجاح. ما لا يقع في دائرة ما وعيناه من قضايا جوهرية وقضايا هامشية تمس الإنسان في كينونته، لا يقع في حيز الإرادة ولا يكون المرء حراً في طلبه بتاتاً. الإرادة إذاً مسبوقة بالاختيار الطوعي الحر البعيد عن أيّ قسرٍ أو إجبار، ومتساوقة معه في آن، وهما معاً مشروطان بالوعي الحر . وعي العالم الخارجي، ووعي الذات الداخلي.
لا أحد منا يملك حاضراً يطابق ماضيه، فكل الكيانات من الدولة إلى المؤسسات ،إلى الجمعيات، من الفرد إلى القبيلة إلى المجتمع إلى الديانات والطوائف والمذاهب، تمر بتحولات ضرورية وحتمية لا قدرة لها على ردّها وإن حاولت، لكنها تستطيع إبطاءها بعض الشيئ عن طريق تغييب الوعي أو تشويهه، وذلك لا يتم إلا بقمع الحريات وتغييب العقل النقدي الفاعل .
تدخل الحرية الواعية مع الإرادة في علاقة تلازم وتماسك وانسجام ، إذاً، بحيث يمتنع التفكير العقلاني والمنطقي في الواحد من حدودها بمعزل عن الأخرى. وبمقدار ما تفرض هذه العلاقة المتأصِّلة من التلازم نفسها في الحرية من وجهة نظر فلسفية ميتافيزيقية، أي من حيث إن الحرية حالة وجودية لذات مفردة مستقلةومتفرِّدة ومنبقة من ذاتها لذاتها وبعيدة عن إكراهات المحيط الخارجي، أو حالة نسغية داخلية تشعر بها ذات تعي نفسها بوضوح، كذلك تفرض نفسها في الحرية من حيث هي علاقة سياسية مترابطة ومتراصة ،أو قل حالة متولِّدة من أحكام مجال سياسي عميق وواسع يتمتع فيه المواطنون بها دون أية منغصات، من حيث هي حق من حقوقهم المدنية والسياسية. حتى على هذا الصعيد، لا تدرك الحرية إلا بوصفها نتيجة وعي بها من ذاتها ولذاتها ،ومحصلة إرادة، أكان الوعي والإرادة فرديين أو جمعيين لا فرق.
لذا يجب علينا تخليص قراءة الدولة والكيان والتاريخ من تأثير العقائد الدينية والسياسية. وهذا الأمر يحتاج أيضاً إلى حريّة. حرية يتمتع ويؤمن بها الفرد نفسه وتشكل له انضباطًا ذاتيّاً يقيه من حالة الانحياز العاطفي التلقائي. وهنا تجتمع وظيفتا العقل والحرية في عملية التغيير. فأما الفردي المتداخل في الوعي والإرادة فمبناه ومعناه الأساسي على أنّ المواطن الحق المتمتع بحقوقه بما فيها الحرية ،هو المواطن الواعي حقوقه، المدافع عنها بقوة ،والمعبّرعن إرادته الحرة دون أيّ قسرٍ أو إجبارٍ. وهو إذا لم يعِ الحرية إذاً، ولم يفصح عن إرادته فيها، لا يشعر بها إطلاقاً، وإن أقرتها القوانين والتشريعات الناظمة. وأما الجمعي فيهما فمبناه وأسسه تستند على أن الحرية السياسية التي تسلم بها الدولة، كحق من حقوق مواطنيها، مدركة أنه تم الوعي بها كحاجة حيوية وضرورية إلى بناء اجتماع سياسي مفتوح يحكمه القانون والدستور، ويحميه الاستقرار والسلم المدنيان اللذان يتوطدان ويقويان بالحرية. والدولة إذ تسلم بهذه الحاجة التي تدركها وتعيها، لا تفعل سوى أنها تعبّر بقوانينها وتشريعاتها الكافلة للحريات عن إرادتها التي هي ليست أكثر من الإرادة العامة.
وهكذا تعبِّر مفاهيم الحرية والإرادة والوعي تعبيراً صارخاً عن الإيديولوجيا التي تشكِّل نسقاً كلياً للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية محدّدة. وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي، وتعمل على توجيهه بدقة. وللنسق المقدرة على تبرير السلوك الشخصي بشكلٍ عام، وإضفاء المشروعية على النظام القائم، والدفاع عنه. فضلًا عن أن الأيديولوجيا أصبحت نسقًا منهجياً قابلًا للتغير استجابة للتغيرات الراهنة والمتوقعة والمستجدة ، سواء كانت على المستوى المحلي أو العالمي .
الجدير بالذكر أنه ما من حرية يمكن أن تكون مع وجود تأثير ما ،في وعي المواطن وإرادته، فمثل ذلك التأثير الكبير ينال من استقلاله أو الشعور بكينونته الخاصة ،أو قل من استقلال خياراته وإرادته التي يمارسها دون قسرٍ أو إجبار . ومن البيّن هنا أنّ هذه حالة أي مواطن يعيش في بلدان الغرب، اليوم، وفي بلدان العالم أجمع. فما من أحد يتمتع بحرية ناجزة وجاهزة : حرية واعية ومسنودة إلى إرادة حرة كاملة متكاملة، حتى في البلدان التي تُقر قوانينها وتشريعاتها بالحريات الفردية والعامة. وليس مرد هذه الحال من الحرية المنقوصة أو المستلبة، إلى كونها ملجومة بسقف القوانين والتشريعات الناظمة، التي تعمل على ضبط الايقاع العام ، فذلك من صميم طبيعة الحرية داخل المجتمع السياسي المستقل، وإنما مرده إلى منطق السيطرة والهيمنة السياسية للنخب المالكة للسلطة والثروة، والمستحوذة على معظم المقدرات. وما تقضي به من أشكال وتلوينات مختلفة ومتنوعة من قولبة الوعي الجمعي وتصنيع الرأي العام في المجتمع على حد قول عالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي (كارل غوستاف يونغ). إن مفهوم الرأي العام نفسه يشير إلى تلك اللعبة الخبيثة من عملية الإخضاع الأيديولوجي الذي تقوم به الأجهزة الأيديولوجية المهيمنة، والقادرة على إخضاع آراء الناس ومواقفهم للأيديولوجيا المهيمنة قصد شرعنتها وتقنينها ـ أي جعلها قانونية ـ وتحويلها إلى أيديولوجيا سائدة يتم التعبير عنها من خلال الرأي العام الذي يعيد إنتاجها من جديد.
لذا فالأيديولوجيات السياسية التي تؤمن بها الفئات الاجتماعية المختلفة والمتنوعة في المجتمع، قد تتضارب مع بعضها البعض، أو تتسم بالأسلوب الثوري أو الإصلاحي، الذي يهدف إلى تغيير واقع المجتمع وظروفه الحياتية، ولكن جميع الأيديولوجيات تكون متشابهة في شيء واحد، وهو طبيعتها المحركة لعقول الجماهير وأسلوبها العاطفي. ومن ثَم، تعبّر الأيديولوجيا، بصورةٍ عامة، عن أفكار ومفاهيم وآراء يعجز العلم الموضوعي عن برهان حقيقتها وشرعيتها، لكن قوة هذه الأفكار تظهر من خلال أسلوبها المحرك للجماهير ونغمتها العاطفية ، والذي يتناسب مع الحدث والحركة الاجتماعية التي يمكن القيام بها. أما المفهوم الماركسي للأيديولوجيا، فيُعبّر بوضوح عن شكل وطبيعة الأفكار والمفاهيم التي تعكس مصالح الطبقة الحاكمة المسيطرة، التي تتناقض مع طموحات وأهداف طبقة الشعب المحكومة، خصوصًا في المجتمع الرأسمالي .لذا فإنَّ تحوّل الأيديولوجيا دون الوعي الصحيح للأشياء، وتضع قناعاً عليه يخفي الحقيقة ،فتمنعه من أن يتمثل موضوعه التمثل المطابق لرغباته. لِنقل إنها تزيف الوعي تماماً وتمثل عائقاً حقيقياً أمام اكتسابه موضوعيته ومنطقيته. في مثل هذه الحال من يتيه الوعي ويتعسر الحديث عن حرية وعن إرادة واعية بكامل قوامها، فما قد يفعله الواقع المعاش تحت تأثير الوعي الأيديولوجي الممنهج، ويعتقد أنه من صميم حريته، ليس من أفعال الحرية الحقيقية والشفافة في شيء، لأنه لا يأتيه بمحض إرادته الواعية وعياً بيِّناً صريحاً وواضحاً. ولا يغيِّر من ذلك أنه يعتقد، جازماً، أنه يحصل عليه بوعي وإرادة، ذلك أنه من وظائف الأيديولوجيا أن ترسخ اليقين والبديهيات لدى مسلوب الإرادة بأنه حر، وأن تؤسس وتوطن لديه اليقين بأن ما يعيه وما يراه وما يمارسه صحيح وموضوعي ولا غبار عليه. نحن لا نعني بالأيديولوجيا، هنا، معناها الاجتماعي بما هي تعبير عن مصلحة على الرغم من إيجابيتها، بل نعني معناها كنقيض للوعي الصحيح المطابق المتحرر من كل عائق، وهذا هو معناها السلبي، وهو عينه الذي ينال من معنى الحرية في المجتمعات التي تسلم قوانين وتشريعات أنظمتها السياسية بها، المجتمعات الغربية. لأنَّ الأيديولوجيا بمفهومها المحايد باعتبارها نسقاً من المفاهيم الواقعية والمعيارية والمعتقدات تسعى بقوة إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منطق يوجه ويبسط الاختيارات الاجتماعية أو السياسية للأفراد والجماعات وهي من منظار آخر نظام الأفكار المتداخلة والمتشعبة كالمعتقدات والخرافات والأساطير والقصص التاريخية التي تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما ،وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية والدينية وتبرّرها في الوقت نفسه .

المصدرالكاتب للمركز الفلسطينى الأوروبى للإعلام
عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق