البطاني الشرقي .. ما زالت في الذاكرة بقلم/ ناهـض زقـوت

2020-12-21T09:58:44+02:00
قصص وحكايا
21 ديسمبر 2020آخر تحديث : الإثنين 21 ديسمبر 2020 - 9:58 صباحًا
البطاني الشرقي .. ما زالت في الذاكرة بقلم/ ناهـض زقـوت
ناهض زقوت

البطاني الشرقي .. ما زالت في الذاكرة
بقلم/ ناهـض زقـوت

أهدانا الصديق العزيز غازي مصلح عضو اللجنة الشعبية للاجئين في مخيم المغازي سابقا، كتابه عن قريته (البطاني الشرقي .. ذاكرة المكان والتاريخ)، أشعر بكل سعادة حينما أرى كتابا جديدا عن قرية فلسطينية دمرت وهجر أهلها قسريا عام 1948، لأنني أشعر أن الذاكرة ما زالت حية، وأن هذه الذاكرة هي المعين للأجيال القادمة لكي تتعرف على جذورها الأصلية في فلسطين، وأن لجوءهم ما هو إلا حالة طارئة ستزول يوما ونعود إلى قرانا وأرضنا مهما طال الزمان.
كل التحية للعزيز غازي مصلح على هذا الكتاب الذي كان لنا شرف مراجعته، وكتابة مقدمته.


يكشف “ميرون بنفنيستي” في كتابه (المشهد المقدس ـ طمس تاريخ الأرض المقدسة منذ عام 1948), عن حجم دمار المشهد الفلسطيني الذي عاشه في طفولته, ويقصد دمار القرى العربية عام 48 على أيدي إسرائيل, هذا المشهد الذي تجول فيه بكل حرية وألفة مع والده الجغرافي الذي كان يتجول في القرى العربية, محاولا رسم خريطة عبرية للمكان, هذا الدمار خلقه انتصار إسرائيل. لهذا يقف متسائلا عن الدروس التي استخلصها من دمار المشهد, يقول: “ألا نتحمل نحن مسؤولية خاصة, على الأقل, لأننا كنا نحن المنتصرين؟, ماذا فعلنا للعدو المهزوم المقهور؟, هل حولنا النضال من أجل البقاء إلى عملية تطهير عرقي, حيث أرسلنا شعبا إلى المنفى لأننا نريد أن نسلب أرضه”.
تلك هي النكبة, فالنكبة الفلسطينية في عام 1948, لا تعني الهزيمة العسكرية للجيوش العربية والشعب الفلسطيني وحسب، فالهزيمة العسكرية قد تحدث لأي دولة تدخل في حرب مع دولة أخرى. إن ما حدث عام 1948 لم يكن حرباً بين دولة ودولة أخرى، بل كانت حربا بين عصابات مسلحة شبه منظمة وشعب آمن مستقر في أرضه، أعزل من السلاح، إلا ما ندر. لهذا فالنكبة في مفهومها العميق هي تهجير الفلسطينيين من وطنهم، ودفعهم بقوة السلاح والإرهاب إلى خارج وطنهم، لتخلوا الأرض من السكان، من أجل استقدام أو جلب سكان آخرين من أصقاع الأرض ليحلوا مكانهم، تلك هي النكبة الحقيقية للشعب الفلسطيني.
ما زالت النكبة الفلسطينية مستمرة منذ ما يزيد عن سبعين عاما، وجراح شعبنا لم تندمل، بل ما زالت تقذف ألما وهما ودما. ولم تغب فلسطين من الجغرافيا أو من التاريخ، فما زالت الأبصار شاخصة نحوها، تنتظر اللحظة التي تستعيد فيها وجودها وكيانها، وما زالت كتب التاريخ تصدر كتابات عن فلسطين.
نحن الفلسطينيون من أكثر الشعوب احتياجا للتوثيق وتسجيل الذاكرة، حيث أن كثيرا من فصول القضية الفلسطينية وتداعياتها ضاعت بسبب عدم توثيقها وحفظها، في حين نجد عدونا يصنع من الأوهام تاريخا له ويسجله وينشره. لذلك يعتقد الكثير من الباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب, أن قوة إسرائيل تكمن في المال والاقتصاد والإعلام, وعلى أهمية هذه العناصر, إلا أنها ليست قوة إسرائيل الحقيقية, إنما قوتها في العلم والتكنولوجيا ومراكز البحث العلمي. وهذا ما نفتقر إليه عربيا وفلسطينيا.
إن التوثيق وتسجيل أحداث النكبة وذكريات أهلها المهجرين قسريا ضروريا قبل أن تموت عناوين النكبة من رجال ونساء، ويتقزم تاريخها من ذكريات وأحداث طويلة إلى بعض الروايات الواهية، فيضيع التاريخ، ونعجز عن إقامة الاثبات للأبناء والأحفاد، ويقع ما نخشاه بأن نضطر بعد سنوات أن نتعرف على تاريخ نكبتنا من صناعة تلك الايادي السوداء التي ارتكبت نكبتنا.
ثمة حاجة ملحة لتسجيل شهادة من عاصروا النكبة، بالصوت والصورة والحوار الصحفي والكتابة الوثائقية، علينا أن نجري مسحا شاملا لكل من عاصر النكبة وخاض فصولها وهجرتها، بهدف توثيق رواياتهم وشهاداتهم، وبناء أرشيف خاص بهم.
ويأتي كتاب “البطاني الشرقي .. ذاكرة المكان والتاريخ” (235 صفحة) للباحث غازي مصلح ابن القرية في هذا السياق من التوثيق وتسجيل ذاكرة من عاصروا النكبة. فقد استند في صياغة مادة الكتاب على المصادر التاريخية، وعلى المقابلات الشخصية ليسجل الذكريات والتاريخ الذي ما زال محفورا في صدور الرجال والنساء من أهالي القرية، وعلى وثائق أملاك القرية التي ما زالت بحوزة أصحابها، بالإضافة إلى المخطوطات والصور. يوثق للقرية منذ بداية التاريخ حتى أواخر عام النكبة 1948.
قبل ما يزيد عن سبعين عاما كان ثمة قرية من عشرات القرى القائمة والنابضة بالحياة، قرية البطاني الشرقي، تلك القرية الغارقة في التاريخ والحضارة والتراث. أحاطت بها المدافع والبنادق من كل مكان، وكان أمامهم أمرين لا ثالث لهما، القتل أو الرحيل، وكلاهما مر وحنظل. فالقتل يعني قتل أجسادهم وازهاق أرواحهم، وأما الرحيل فيعني قتل حياتهم وأرضهم ووجودهم، فاختاروا الرحيل مكرهين، وحملوا آمالهم وجراحهم فوق أكتافهم وفي حنايا الصدور، وساروا في قوافل المهجرين يتهددهم رصاص المنظمات الصهيونية المسلحة اذا ما توقفوا أو قرروا العودة من جديد. تركوا خلفهم البيوت التي سويت بالأرض، والمساجد التي نسفت، والمدارس التي دمرت، والآبار التي طمرت، وزرع الأرض الذي سرق.
يقول مهندس الاستيطان اليهودي (يوسف فايتس) عام 1948: “يواصل جيشنا احتلال القرى العربية، ويفر السكان العرب أمامه خائفين مهزومين، قرى عربية كثيرة تفرغ من سكانها، وإذا استمررنا بهذه الطريقة، وبالتأكيد سنستمر، ستفرغ عشرات القرى من سكانها”. ويؤكد المؤرخ الاسرائيلي (بيني موريس) على عمليات السلب والنهب: “لقد اتسمت العمليات التي انتهت بطرد العرب من قرى المنطقة بالفظاعة وأعمال السلب والنهب”.
انتهى المطاف بأهالي قرية البطاني الشرقي في قطاع غزة، وسكنوا مخيمات اللاجئين (خاصة في المنطقة الوسطى من القطاع)، ولكن جراحهم لم تندمل، وذكرياتهم لم تموت، وما زالوا مع أمثالهم من اللاجئين يعيشون على أمل العودة، ويحلمون بديارهم وأرضهم، وأمنياتهم أن تكون قبورهم على ثرى أرضهم.
يجسد كتاب “البطاني الشرقي ..” اللبنة الاولى في جدار البقاء والأرض والهوية، ويعزز التاريخ والتراث والحضارة. يحاول أن ينفي الرواية الاسرائيلية بأحقيتهم في الأرض، ليؤكد الرواية الفلسطينية المستمدة من صدور أصحاب الأرض الشرعيين. ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، كالتالي: الفصل الأول يتناول تسمية القرية وبعدها الجغرافي، والثاني يتحدث عن الأوضاع الاجتماعية في القرية، والثالث يذكر عائلات القرية، والرابع يخوض في الأوضاع التعليمية والصحية في القرية، والخامس يتناول الأوضاع الاقتصادية في القرية، والسادس يعبر عن المناسبات من أفراح وأتراح، والسابع يخوض في التاريخ الشفهي للقرية، أما الفصل الثامن فيتحدث عن تسلسل الاحداث والنكبة والنضال.
كتاب جدير بالقراءة، ومن الواضح أن الباحث بذل جهدا كبيرا في جمع المادة وتوثيقها استغرقت منه سنوات، لكي يحفظ للأجيال القادمة تاريخ قريتهم، فهذا الكتاب سجل حافل بمعالم القرية من أسماء أراضي القرية ومعانيها وملكيتها، وموقع القرية وحدودها وسكانها، وأسماء ملاك بيوت القرية، والمجالس والدواوين، ومخاتير القرية، والزي الشعبي والملابس والحلي، والأعياد والمناسبات، والأكلات الشعبية، والأمثال الشعبية، وخريطة عائلات القرية، والتعليم والصحة، والطب الشعبي، والأدوات الزراعية، والطيور والحيوانات والنباتات.
وفي الختام نشكر الباحث على هذا الجهد العظيم الذي بذله لكي يكتب تاريخ قرية البطاني الشرقي. وندعو في هذا المقام كل الباحثين والكتاب أن يشمروا عن سواعدهم لكي يسجلوا تاريخ قراهم، لتبقى كتاباتهم إرثا لأبنائهم وأحفادهم يهتدون بها في الدفاع عن قضيتهم وأرضهم، ويسترشدون بها في تحديد معالم قراهم.
قطاع غزة: 19/12/2020

images 1 - بالوميديا
220px Butana south - بالوميديا
رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق