الإعلام كسلطة رابعة ودوره في التغيير. بقلم : عفاف عمورة . برلين

25 أبريل 2022آخر تحديث : الإثنين 25 أبريل 2022 - 8:49 مساءً
مقالات وآراء
الإعلام كسلطة رابعة ودوره في التغيير. بقلم : عفاف عمورة . برلين


تعالت أصوات العديد من الأحرار في وطننا العربي تنادي بموقف معارض لما تقدمه بعض مؤسسات الصحافة والإعلام التابعة للأنظمة الحاكمة. وذلك لما ورد في العبارة الموصوفة بأنَّ الصحافة تتجه بكامل حمولتها المسمومة تجاه المواطن العربي. ولأنها تتصف بأنها تسعى إلى تدني خطير في لغة الحوار السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. هذه الأصوات كشفت أنَّ لغة الحوار تخفي أزمات مكتومة ومعلنة نوعاً ما وهي تميل إلى الغموض.لكن هذه الأزمات التي تتفاقم يوماً بعد يوم توشك أن تنفجر. كما نلحظ في المقابل عصبية الأنظمة العربية وميلها إلى العنف والتلويح به في مواجهة الصحافة الحرة الخارجة عن إرادتها. هذه المواجهة تعبِّر بعمق عن أزمة استنفاد شرعية تلك الأنظمة وزمانها. حيث باتت الأنظمة الطاغية تشعر بالعبء الثقيل على ضرورات التغيير الديمقراطي الواسع، فالأنظمة الواثقة من نفسها ومن مواطنيها تحاور وتبحث عن قواعد مشتركة يمكن القبول بها، لا أن تهدد باستخدام العنف والقمع كما جاء على صفحات إحدى الصحف العربية .لقد بقيت العديد من الأنظمة مستعدة لتقديم فاتورة حرية الصحافة واحتمال تكاليفها، باعتقاد أنها تساعد على تحسين صورة تلك الأنظمة وتخفِّف عنها الضغوط الدولية .
فقد سبق وأن حمل بعض المسؤولين العرب الكبار لمرات عديدة في زياراتهم للولايات المتحدة الأمريكية ، نسخاً من صحف المعارضة ليثبتوا بها اتساع هامش الحريات الصحفية،وإن كل شيء قابل للنقد بما في ذلك رئيس الجمهورية الذي يتمتع بصفة اعتبارية.فقد سرى اعتقاد واسع في أوساط السلطات العربية أن النظام هو أكثر المستفيدين من الحريات الصحفية، بظنه أنها محدودة في صحف بعينها ولا يتجاوز عدد نسخها الآلاف، وأن الصحافة القومية يمكن أن تضبط الإيقاع العام للبلاد، غير أن تلك الصورة تبددت وتلاشت، فالصحافة القومية بدت في مرحلةٍ سابقة كأفيال ضخمة تذهب إلى مقابرها، العوالم فقد اختلفت بشكلٍ عام مع ثورة المعلومات الهائلة، واحتياجات المجتمع توسَّعت وتعقَّدت، ولم يعد ممكناً السيطرة عليها بالطرق التقليدية المعروفة.
في خريف عام (2010) م وما تلاها تأكدت المخاوف من أننا أمام انقضاض واسع محتمل من قبل الأنظمة القمعية على هامش الحريات الصحفية والإعلامية، فقامت بإفراغ منابر صحفية من أدوارها المعارضة بصفقات رجال أعمال ووسطاء وأغلقت منصات فضائية.كان ذلك تطوراً خطيراً افتقد الحد الأدنى من الرشد السياسي. فالحريات الصحفية والإعلامية تعتبر ضمانة عامة تحصِّن المجتمع ضد العنف والإرهاب والانخراط فيه، وتعطيه أملاً في التغيير السلمي الآمن والاستقرار العام. من هنا كان الحوار مهما كان حاداً وصاخباً فإنه يجري بالعلن، لغته التغيير السلمي ،وقضيته الإصلاح السياسي والدستوري، ومادته الأساسية قضايا الناس الحياتية.
عندما تقلصت الحريات الصحفية والإعلامية بعض الشيء بقبضة السلطة، غامت الرؤية في البلد،وبدأ غبار الإعلام السلطوي يغطي على الحقيقة، وبدأت السيناريوهات الأخرى تتفاعل في المجهول. وتجاورت فكرتان أساسيتان متناقضتان على نحوٍ مربك في أروقة السلطة العليا:
الفكرة الأولى: تعتقد أن نظام الحكم المستفيد الأول من الحريات الصحفية والإعلامية إلى حدٍ كبير، وأن الهامش الواسع من الحرية العرفية مكّنه من كسب الرهان على البقاء لسنواتٍ إضافية في السلطة.والفكرة الثانية: ترجع أزمات النظام العربي المستحكمة إلى الإعلام، لا إلى السياسة.
لقد صاغ أحد وزراء الإعلام العرب جملةً واضحة حين قال: (إنَّ نظام الحكم في بلدنا هو المستفيد الأول من الحريات الصحفية والإعلامية) مع أن بلاده قد عكست الفكرة في فترةٍ لاحقة عندما تبنت مشروعات تقيّد الحريات الفضائية العربية، وكأن المشكلة في الإعلام لا في السياسة نفسها ومن يديرها. حيث أنَّ الإعلام الرسمي التابع للنظام مقصِّر، وأنَّ الإعلام المعارض والخاص أكثر تأثيراً، والحل حسب رأي السلطات الحاكمة هوأنه إذا توافرت الكفاءات المهنية في الصحف القومية فإن الصورة يمكن أن تتبدَّل وتتغير، والرأي العام يمكن أن يقتنع أكثر بوجة النظرالمراد لها أن تتحقّق. مع أنَّ هناك قاعدة إعلامية تقول لا يمكنك أن تقنع إلا بما هو مقنع.
ما بين الفكرتين تناقضت المواقف وارتبكت السياسات العربية. في الفكرة الأولى، شاع في دوائر السلطة العليا من أنَّ الحرية النسبية في تداول المعلومات والآراء والأفكار عبر المنابر الإعلامية المختلفة أدَّت بشكلٍ واضح إلى إفساح شيء من الأمل في الإصلاح السياسي والدستوري ،وكذلك الانتقال السلمي للسلطة، واستبعاد أيّة سيناريوهات واحتمالات تتبنى الوسائل العنيفة في التغيير.هذه الفكرة أفضت بالضرورة إلى تبني بعض التوجهات الإعلامية الجديدة، من بينها اتجاه ما بات يطلق عليه المجلس الأعلى للصحافة مهمته الموافقة على كل إصدارات الصحف والمجلات الجديدة التي عرضت على السلطات الحاكمة وفق القانون، واتجاه مؤسسات الإعلام نفسها لمنافسة الفضائيات الخاصة بأساليبها المعهودة، وتوسيع هامش الحرية في برامج التلفزيونات العربية بصورة محدودة لكنها ملموسة.
وفي الفكرة الثانية، بدت المؤسسات الإعلامية العربية بتأثير الضيق المتزايد في الدوائر العليا ومراكز اتخاذ القرار ذاتها من الحريات الصحفية والإعلامية. وللضيق منطقه الذي يميل إلى تصوير حرية الصحافة عدواً لدوداً يتربص بالسلطة والحكم ويعمل على اغتيالها معنوياً.
هذا المنطق بدا مزدوجاً. فهو انتقادي للإعلام الرسمي العربي، وانتقامي من الإعلام الخاص، الذي أخذ يتعرّض بشدّة لضغوط متصاعدة على رجال الأعمال والوسطاء الذين يمتلكون وسائله صحفاً ومجلات وفضائيات. ثم نشأ تطور خطير وغير مسبوق ينال من الحريات الإعلامية، بمشاريع القوانين التي تعمل على تنظيم البث المرئي والمسموع، وهو الذي استدعى مخاوف العودة للرقابة الشديدة والصارمة على وسائل الإعلام، وفرض السيطرة الكاملة للدولة وأجهزتها الأمنية عليها.

عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق