الإبحار في إنسانيتنا: الدروس الأربعة من أوكرانيا…

12 مارس 2022آخر تحديث : السبت 12 مارس 2022 - 11:21 صباحًا
مقالات وآراء
الإبحار في إنسانيتنا: الدروس الأربعة من أوكرانيا…

 مقاال مترجم  من موقع مؤسسة  ( فلسطين كرونكل) ؛للكاتب البروفيسور ألآن بابيه

ترجمة : فهد جبريل

ذكرت صحيفة “ يو إس إيه توداي ” الأمريكية أن الصورة التي انتشرت على نطاق واسع حول إصابة أحد البنايات الشاهقة  بقصف روسي في اوكرانيا , تبين أنها احد ابراج قطاع غزة السكنية المدمرة من قبل سلاح الجو الإسرائيلي في 

مايو 2021.


وقبل ذلك بأيام قليلة ، اشتكى وزير الخارجية الأوكراني للسفير الإسرائيلي في كييف قائلا  “أنكم تعاملونا مثل غزة” ، وكان غاضبًا لأن إسرائيل لم تدين الغزو الروسي ولم تكن معنية إلا بترحيل المواطنين الإسرائيليين من الدولة الاوكرانية. (هآرتس ، 17 شباط 2022).
كان الحديث مزيجًا من الإشارة إلى إجلاء أوكرانيا سابقا للزوجات الاوكرانيات   لرجال فلسطينيين من قطاع غزة في مايو 2021 ، بالإضافة إلى تذكير إسرائيل بدعم الرئيس الأوكراني الكامل للهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في ذلك الشهر.
(سأعود إلى هذا الدعم في نهاية هذه القطعة).

 بكل تاكيد , ينبغي ذكر اعتداءات إسرائيل على غزة  وأخذها في الاعتبار عند تقييم الأزمة الحالية في أوكرانيا.
ليس من قبيل الصدفة أن يتم الخلط بين الصور – حيث لا توجد العديد من الأبراج الشاهقة التي تم قصفها و تدميرها في أوكرانيا ، ولكن هناك وفرة من الأبراج الشاهقة المدمرة في قطاع غزة.


ومع ذلك ، ليس فقط النفاق  بشأن فلسطين هو الذي يظهر عندما ننظر إلى الأزمة الأوكرانية في سياق أوسع ؛ إنها المعايير المزدوجة الغربية الشاملة هي التي يجب أن تخضع للتمحيص ، دون ممارسة اللامبالاة للحظة واحدة ، بالأخبار والصور القادمة إلينا من منطقة الحرب في أوكرانيا: أطفال مصدومون ، قوافل من اللاجئين ، مشاهد من المباني التي دمرها القصف كما يلوح في الأفق. خطر أن هذه ليست سوى بداية كارثة إنسانية في قلب أوروبا.

في الوقت نفسه ، كل منا من يعيشون تجربة الكوارث الإنسانية في فلسطين ويبلغون عنها ويستوعبونها أن يفلتوا من نفاق الغرب ويمكننا أن نشير اليها دون التقليل للحظة من تضامننا الإنساني وتعاطفنا مع ضحايا أي حرب.
نحن بحاجة إلى القيام بذلك لأن الخداع الأخلاقي الذي يكتنف الأجندة المخادعة التي وضعتها النخب السياسية الغربية ووسائل الإعلام , ستسمح لهم مرة أخرى بإخفاء عنصريتهم وإفلاتهم من العقاب لأنها ستستمر في توفير الحصانة لإسرائيل وقمعها للفلسطينيين.  

لقد تتبعت أربعة افتراضات كاذبة ومزورة تقع في صميم تفاعل النخبة الغربية مع أزمة أوكرانيا حتى الآن, وقمت بتصنيفها  في أربعة دروس

الدرس الأول: اللاجئون البيض مرحب بهم ؛ الآخرين اقل من ذلك

قرار الاتحاد الأوروبي الجماعي غير المسبوق بفتح حدوده أمام اللاجئين الأوكرانيين ، متبوعًا بسياسة أكثر تشددا من قبل بريطانيا ، لا يمكن أن يمر مرور الكرام مقارنة بإغلاق معظم البوابات الأوروبية أمام اللاجئين القادمين من العالم العربي وإفريقيا منذ عام 2015. إن التحديد العنصري الواضح للأولويات ، والتمييز بين الباحثين عن النجاة و الملجأ على أساس اللون والدين والعرق أمر بغيض ، ولكن من غير المرجح أن يتغير قريبًا. حتى أن بعض القادة الأوروبيين لا يخجلون من نشر عنصريتهم علانية كما يفعل رئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف,حيث يقول :
هؤلاء [اللاجئون الأوكرانيون] ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا عليهم … هؤلاء الناس أوروبيون. هؤلاء الناس أذكياء ومتعلمون وأشخاص. … هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدنا عليها ، أشخاص لم نكن متأكدين من هويتهم ، أشخاص لديهم ماض غير واضح ، والذين يمكن أن يكونوا حتى إرهابيين … “

إنه ليس وحيدا. وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن “نوعنا من اللاجئين” طوال الوقت وتتجلى هذه العنصرية بوضوح على المعابر الحدودية بين أوكرانيا وجيرانها الأوروبيين. لن يتغير هذا الموقف العنصري ، ذو الدلالات القوية المعادية للإسلام ، لأن القيادة الأوروبية لا تزال تنكر النسيج المتعدد الأعراق والثقافات للمجتمعات في جميع أنحاء القارة. حقيقة إنسانية أوجدتها سنوات من الاستعمار والإمبريالية الأوروبية تنكرها الحكومات الأوروبية الحالية وتتجاهلها ، وفي نفس الوقت تتبع هذه الحكومات سياسات الهجرة التي تقوم على نفس العنصرية التي 

تغلغلت في الاستعمار والإمبريالية في الماضي

الدرس الثاني: يمكنك غزو العراق ولكن ليس أوكرانيا

إن عدم رغبة وسائل الإعلام الغربية في وضع القرار الروسي بالغزو ضمن تحليل أوسع – وواضح – لكيفية تغير قواعد اللعبة الدولية في عام 2003 أمر محير للغاية. من الصعب إيجاد أي تحليل يشير إلى حقيقة أن الولايات المتحدة وبريطانيا انتهكتا القانون الدولي بشأن سيادة دولة عندما غزا جيشهما ، مع تحالف الدول الغربية ، أفغانستان والعراق.

ان  احتلال بلد بأكمله من أجل غايات سياسية لم يخترعه فلاديمير بوتين في هذا القرن ؛بل تم تقديمه كأداة مبررة  للسياسة من قبل الغرب.اولا

الدرس الثالث: في بعض الأحيان يمكن التسامح مع النازية الجديدة

فشل التحليل أيضًا في تسليط الضوء على بعض نقاط بوتين المطروحة حول أوكرانيا ؛ التي لا تبرر الغزو بأي   حال من الأحوال ، ولكنها تحتاج إلى اهتمامنا حتى أثناء الغزو.

 حتى الأزمة الحالية ، حذرتنا وسائل الإعلام الغربية التقدمية مثل واشنطن بوست و الجارديان و ذا نيشن وغيرها ، من القوة المتزايدة للجماعات النازية الجديدة في أوكرانيا و التي يمكن أن تؤثر على مستقبل أوروبا وما وراءها. الا ان.نفس وسائط الاعلام هذه الغت اليوم اهمية تأثير النازية الجديدة في أوكرانيا.

في 22 شباط 2019 كتبت صحيفة ذا نيشن
“اليوم ،  التقارير المتزايدة عن عنف اليمين المتطرف ، والقومية المتطرفة ، وتآكل الحريات الأساسية تكذب نشوة النصرالاولية للغرب.

. يوجد مذابح للنازيين الجدد ضد الغجر ، وهجمات متفشية على ممثلي الحركات النسوية ومجموعات المثليين ، وحظر الكتب ، و رعاية الدولة لانشطة تمجيد المتعاونين مع النازية “.

قبل ذلك بعامين ، حذرت صحيفة واشنطن بوست (15 يونيو 2017) ، بوضوح شديد ، أن صدامًا أوكرانيًا مع 

روسيا يجب ألا يسمح لنا ان ننسى قوة النازية الجديدة في أوكرانيا:

    مع استمرار حرب أوكرانيا ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا ، تواجه كييف تهديدًا آخرعلى المدى الطويل لسيادتها انهم الجماعات القومية المتطرفة اليمينية القوية. هذه الجماعات لا تخجل من استخدام العنف لتحقيق أهدافها ، والتي تتعارض بالتأكيد مع الديمقراطية  الغربية المتسامحة التي تسعى كييف إليها ظاهريًا.

ومع ذلك  تتبنى واشنطن بوست اليوم موقفًا رافضًا لهذا التحليل وتطلق على هذا الوصف اتهامًا كاذبًا

تعمل في أوكرانيا عدة مجموعات قومية شبه عسكرية ، مثل حركة آزوف والقطاع الايمن ، التي تتبنى أيديولوجية النازيين الجدد. في حين أنهم يبدون مرموقون ،الا أنهم اليوم لا يحظون إلا بالقليل من الدعم الشعبي.

فقط حزب واحد من اليمين المتطرف ، هو حزب سفوبودا ، ممثل في البرلمان الأوكراني ، وله مقعد واحد

تم نسيان التحذيرات السابقة لإحدى اهم وسائل الإعلام مثل ذا هيل و التي تعتبر اكبر موقع اخباري مستقل في  الولايات المتحدة والتي نشرت في 9 نوفمبر 2017 

هناك بالفعل تشكيلات نازية جديدة في أوكرانيا. وقد تم تأكيد ذلك من قبل جميع وسائل الاعلام الغربية الرئيسية  تقريبًا. حقيقة أن المحللين قادرون على الغائها الان و اعتبارها أنها دعاية تنشرها موسكو أمر مزعج للغاية. 

إنه أمر مزعج بشكل خاص بالنظر إلى الموجة الحالية للنازيين الجدد والمتفوقين البيض التي تجتاح جميع أنحاء العالم

الدرس الرابع: ضرب الابراج السكنية و البنايات العالية جريمة حرب فقط  في أوروبا

لا ترتبط المؤسسة الحاكمة الأوكرانية بهذه الجماعات والجيوش النازية الجديدة فحسب ، بل إنها أيضًا موالية لإسرائيل بشكل مقلق ومحرج. حيث كان من  اول قرارات الرئيس فولوديمير زيلينسكي هو سحب أوكرانيا من لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف – المحكمة الدولية الوحيدة التي تأكد على عدم انكار النكبة أو نسيانها.

اتخذ القرار بمبادرة من الرئيس الأوكراني ؛ ليس لديه اي تعاطف مع محنة اللاجئين الفلسطينيين ولا يعتبرهم ضحايا لأية جريمة. و في مقابلاته بعد القصف الإسرائيلي البربري الأخير على قطاع غزة في مايو 2021 ذكر  أن المأساة الوحيدة في غزة هي تلك التي عانى منها الإسرائيليون. إذا كان الأمر كذلك ، فإن الروس فقط هم من يعانون في أوكرانيا.

لكن زيلينسكي ليس وحده. عندما يتعلق الأمر بفلسطين ، فإن النفاق يصل إلى مستوى جديد. ان قصف إحدى البنايات الشاهقة الفارغة في أوكرانيا  سيطرت على نشرات الأخبار وأثارت تحليلات عميقة حول الوحشية البشرية و عن عدم انسانية بوتين.

 بالبطبع يجب إدانة هذه التفجيرات ، لكن يبدو أن من قادوا الإدانة بين زعماء العالم صمتوا عندما دكت إسرائيل مخيم مدينة  جنينو وسوته بالأرض عام 2000 ، وحي الضاحية في بيروت عام 2006 ، ومدينة غزة في هجوم وحشي واحد. تلو الآخر ، على امتداد الخمسة عشر عامًا الماضية.

 لم يتم حتى مجرد نقاش فرض أي عقوبات ، على الإطلاق ، ناهيك عن عدم فرضها على إسرائيل بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها عام 1948 وما بعد ذلك.

 في الواقع ، فأن  معظم الدول الغربية التي تقود العقوبات اليوم ضد روسيا ، اعتبروا ان مجرد إمكانية فرض 

عقوبات على إسرائيل هو أمر غير قانوني وصنف على أنه معاد للسامية.

حتى عندما يتم التعبير عن التضامن الإنساني الحقيقي في الغرب  مع أوكرانيا ، لا يمكننا التغاضي عن سياقها العنصري والتحيز لكونها  أوروبية . إن التضامن الهائل للغرب محصور بمن يرغب في الانضمام إلى 

  كتلتة ومجال نفوذه
لا يمكن العثور على هذا التعاطف الرسمي في أي مكان عندما يكون العنف المماثل والأسوأ موجهًا ضد غيرالأوروبيين بشكل عام والفلسطينيين بوجه خاص

يمكننا أن نتنقل كأشخاص واعين بين استجاباتنا للكوارث ومسؤوليتنا للإشارة إلى النفاق الذي مهد الطريق من انواح كثيرة لمثل هذه الكوارث. إن إضفاء الشرعية الدولية على غزو الدول ذات السيادة , وإجازة الاستعمارالاستيطاني المستمر و قمع اللآخرين ، مثل فلسطين وشعبها ، سيؤدي إلى المزيد من المآسي في المستقبل  كالمأساة الأوكرانية وفي كل مكان على كوكبنا.

تعريف بكاتب المقال: استاذ في جامعة اكستر – بريطانيا و شغل سابقا منصب استاد العلوم السياسية في جامعة حيفا, له مؤلفات كثيرة , من اهمها “ التطهير العرقي في فلسطين” و “ الشرق الاوسط الجديد “ و “ تاريخ فلسطين الحديث “ وغيرها .

عاجل
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق