الأقلية النسوية والمواطنة المنقوصة …بقلم دنيا الأمل إسماعيل

2018-11-29T02:06:25+02:00
مقالات وآراء
18 فبراير 2016آخر تحديث : الخميس 29 نوفمبر 2018 - 2:06 صباحًا
الأقلية النسوية والمواطنة المنقوصة …بقلم دنيا الأمل إسماعيل

الأقلية النسوية والمواطنة المنقوصة
دنيا الأمل إسماعيل

“في إحدى لقاءاتها، قالت الكاتبة المبدعة سحر خليفة : “نحن النساء، حتى وإن كنا حجر الزاوية في الأسرة، وحنان الأم وسر الخصب، وعددنا وفير ما شاء الله، أكثر من النصف، إلا أننا بحكم الميراث، والقوانين، والعادة، قلة قليلة، وأقلية، وينطبق علينا قانون الأقل والأدنى والمستضعف” في هذه الكلمات المشغولة بحكمة التجربة، لمست سحر خليفة بوعي الكاتبة الكاشفة جوهر التصور الذهني الشعبي والرسمي تجاه وضعية المرأة وكينونتها المنتقصة ، ليس فقط في المجتمع الفلسطيني، بل في المجتمعات العربية كلها، والتي تنظر إليها باعتبارها مواطناً من الدرجة الثانية، أو مواطناً غير كامل الأهلية، مسلوب الإرادة، تحتاج لمن يفكر عنها ويدير شؤونها، ومن ثم لابد من خضوعها الطوعي للقادرين من الرجال على كل هذه الأفعال الصعبة. إن المقارنة العددية/ السكانية بين النساء والرجال في المجتمع الفلسطيني على سبيل المثال لم تحقق المواطنة الكاملة لجميع المواطنين والمواطنات بغض النظر عن أية تمايزات أخرى وهذا طرح يتفق تماماً مع المعيار السوسيولوجي لمفهوم الأقلية، الذي يرى أن الأغلبية العددية غير الفاعلة تعد في وضع أقلية، مثل السود في بعض الولايات المتحدة الأمريكية. وأعتقد أنّ المعيار السوسيولوجي لمقاربة موضوع الأقليات هو الأقرب لإعادة تفكيك علاقة المرأة/ النساء بالأقليات بالمعنى الاجتماعي/ الثقافي/ القانوني، كما عبرت عن ذلك سحر خليفة في عبارتها المذكورة، على الرغم من أنه لا يوجد معيار واحد اتفق عليه الباحثون لتحديد مفهوم الأقلية – مثلها مقل كثير من العلوم الإنسانية- فبعضهم أخذ بالمعيار الكمي وآخرون أخذوا معيارا يستند إلى وجهة نظر سوسيولوجية بتأكيدهم على معيار (الأهمية) في تحديدها أو تمييزها – وهذا ما أميل له شخصياً عند معالجة موضوع المرأة- إلا أنّ البعض أخذوا معاييراً مثل: المشاعر أو المصلحة. وإذا كانت فكرة الأقليات بالأساس تقوم على فكرة أعمق هي الانتباه إلى الإنسان المهّمش، الموضوع دائماً خارج السياق بالمعنى السلبي، ربما المنبوذ بمعنى من المعاني، والمريب بمعنى آخر، والمثير للقلق دائماً، لذلك أعتقد أنّ محور قضية/ موضوع/ مشكلة الأقليات بني على صفات خاصة قد تكون بيولوجية أو ثقافية أو دينية أو عرقية أو غيرها من الصفات، نتج عنها عدم التفاعل الاجتماعي مع مجتمع الأكثرية. كالصفات العرقية في مجتمع جنوب أفريقيا والأمريكتين، أو قد تكون لغوية مثل جماعات الوالون في بلجيكا، أو تبني على فوارق ثقافية كحال جماعات اللاب في إسكندنافيا. و أبرز هذه السمات الملمح الديني، وهذا شأن الأقليات المسلمة في بعض أنحاء العالم وبصفة خاصة في شعوب جنوب شرقي آسيا، فالأقليات المسلمة تنتمي إلى أصول عرقية واحدة تربطها بالأغلبية، لكن التفرقة هنا أتت من الفوارق الدينية، والقضية هنا عقائدية. لكنها في مجمل الحالات قادت إلى أشكال محددة من التمييز ، ربما انتهت في بعض الأحيان إلى التناحر. من هنا تأتي أهمية فكرة المواطنة باعتبارها مظلة الجميع دون استثناء. فإذا كانت المواطنة تعني المساواة في الحقوق والواجبات وفي المشاركة السياسية، فإنها بهذا المعنى تكون توأم الديمقراطية السياسية. أي المواطنة للجميع بغض النظر عن أية تصنيفات قومية أو دينية أو إثنية أو جنسوية، من شأنها أن تزعزع الأمن والسلام في المجتمع وفي العالم.
لذا ينبغي التأكيد دوماً على أنّ الدولة الحديثة هي دولة المواطن وليست دولة الأكثرية أو الأقلية، وهو تأكيد ينبغي أن يكون واضحاً في الدستور والتشريعات والقوانين وكل السياسات والاستراتيجيات التي تعبر و تعكس هوية الدولة، هذا هو المنطق الوحيد القادر على صيانة الوحدة الوطنية على المدى البعيد .
إن أجمل ما في فكرة الدولة الحديثة ، أنها توفر هوية وطنية تجمع في ظلها كل الهويات الصغرى التي تنتعش وتتفاعل دون تعارض مع الهوية الوطنية الأعلى/ الأم. من هنا ينبغي أن ننتبه ونأخذ على محمل الجد ما نشهده اليوم من تصارع الهويات المحلية داخل الوطن الواحد باعتبارها واحدةً من أعقد المشكلات التي يعانيها عالمنا العربي ( إن بقي عالماً وليس عوالم) فكل قطر ينطوي على تنوع مذهبي أو ديني أو طبقي ، لكن الساسة العرب مترددون في الاعتراف بما يترتب على هذا التنوع من حقوق متساوية للجميع. وهو جوهر فكرة الحقوق والواجبات المتبادلة التي تقوم عليها وحدة الوطن.
إنّ الكثير من مشكلات الأقليات في بلادنا العربية، إنما هي في جوهرها مشكلة عدم القدرة على استيعاب التنوع القائم وإقامة العلاقة بين المواطنين/ ات من جهة ، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى على قاعدة المواطنة ، أيا كانت مذاهبهم أو لغاتهم أو ثقافاتهم أو مواقفهم السياسية والأيديولوجية.

أقلية نسوية أم مواطنة منقوصة:
تدلل بنية العلاقات المجتمعية بما تنطوي عليه من وقائع يومية وكذلك السياسات الرسمية على أنّ مبدأ وحق المواطنة لم يزل غير مستقر ثقافياً ودستورياً في بلادنا، فنحن لم نزل نجد أنّ الدولة ومنظمات المجتمع المدني وهي تلعب كلها دورا مفصلياً، في تعزيز قيم المساواة والعدالة الاجتماعية- نظرياً- لا تستطيع أن تنسى تماماً أنها أيضاً مؤسسات أبوية ذكورية تحدد شكل الحقوق وماهيتها وغالباً ما يأتي هذا التحديد على حساب النساء فيتحولنّ بالتالي إلى أقلية محكومة بخيارين إما الامتثال والخضوع للأغلبية الذكورية/ السلطوية، أو التمرد على أفكار القبيلة والإنصات لمتطلبات الذات النسوية باعتبارها حقوقاً إنسانية لا ينبغي التضحية بها .
وقد عرفت الموسوعة الأميركية الأقلية تعريفاً يمكن سحبه على حال وأوضاع النساء باعتبارهن فئة اجتماعية تعاني من التمييز والتهميش والإقصاء بدرجات متفاوتة، إذ قالت: «بأنهم جماعة لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع ذاته وتملك قدراً أقل من النفوذ والقوة وتمارس عدداً أقل من الحقوق مقارنة بالجماعة المسيطرة في المجتمع، وغالباً ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع بالوقت الكافي بحقوق مواطني الدرجة الأولى». فلم تزل النساء يعانين من أشكال متعددة من التمييز الناتج عن عوامل متعددة ومتشابكة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، جعلتهنّ يؤسسنّ تنظيماتٍ وأنماطٍ خاصة للتفاعل ونشأ لديهنّ وعي بتميزهنّ في مواجهة الآخرين، نتيجة التمييز السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضدهنّ، ما أكد تضامنهنّ ودعمهنّ لبعضهنّ البعض بهذا المعنى يمكن النظر إلى الأقلية إما كأقلية عددية كبعض المجموعات العرقية أو الدينية كالأفارقة الأمريكيين أو الكاثوليك في الولايات المتحدة مثلاً، وإما أنها أقلية بحكم وضعها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي المهمش بفعل طغيان الأغلبية المهيمنة، ومن هنا تعتبر المرأة في كثير من الحالات والأوضاع أقلية مع أنها نصف المجتمع عددياً وهكذا تصبح الأقلية: أية مجموعة ترى بأنها تتلقى معاملة غير متساوية مع باقي المواطنين بسبب صفات جسدية أو ثقافية أو اجتماعية خاصة بها، حسب التعريف السائد للأقلية كما وضعه عالم الاجتماع الأمريكي لويس ويرث.
وتتيح المواطنة هنا الكشف عن كل ضروب المعاملة غير المتساوية التي تتعرض لها النساء نتيجة الثقافة السائدة والنظرة التقليدية التي تنظر لهنّ باعتبارهن في مرتبة أدنى من الرجل، ولهذا السبب تحديداً تعتبر المواطنة المستوى الأهم من مستويات مقاربة مشكلة/ ظاهرة الأقليات، أي التعامل مع جميع رعايا الدولة الواحدة كأفراد متساوين في الحقوق المدنية والسياسية وفي الواجبات. وبالتالي تصبح المواطنة في الدولة الديموقراطية أساساً للتضامن الاجتماعي والوحدة الوطنية، باعتبارها توّحد الأفراد الذين قد يختلف بعضهم عن بعض في جوانب كثيرة مثل الجنس والدين والانتماء الطبقي والانتماء العرقي وتتضمن هذه المواطنة الديموقراطية من ناحية المبدأ المساواة في الحقوق القانونية وفي الخدمات المختلفة التي تقدمها الدولة، لكن الواقع يقول بأن ثمة فروقات واضحة في مدى تمتع كل من النساء والرجال في حقوق المواطنة ناتجة عن سياسات التمييز الواضحة وغير المرئية في المجتمع، ونتيجة لهذا التمييز المتغلغل في الثقافة الشعبية والذي امتد إلى سياسات وإجراءات الدولة/ السلطة/ الحكومة، عجزت المواطنة -وهي أساس فكرة الدولة الحديثة- عن إلغاء أوضاع التفاوت وعدم المساواة بين الجنسين حيث لم يزل هناك تمييز واضح في مجالات العمل والتعليم والمشاركة لصالح المجموعات الأقوى والمهيمنة، خاصة وأن الفروق الجنسية لم تزل عاملاً حاسماً في تحديد حقوق وواجبات المواطنة، فعلى سبيل المثال تحرم المرأة من التمتع في تساوي الفرص في العمل وفي الأجور في بعض المهن نتيجة لاعتبارات ثقافية واقتصادية تحكم تعامل المجتمع والدولة مع الأقليات العددية. إذا ركزنا على النساء نجد أنهن يعانين من أوضاع الأقليات ذاتها فهن يخضعنّ لفئة مهيمنة تطالبهنّ دائماً بالامتثال والخضوع لسياسات وأفكار ورؤى الأغلبية العددية ( الرجال) والأغلبية النوعية التي تمثل السلطة أو الحكومة بفعل سيطرتها وتحكمها في مقدرات الدولة المادية والمعنوية الأمر الذي عبرت عنه الدكتورة نيفين مسعد حين استخدمت مفهوم الجماعة المسيطرة تأسيساً لمعيار جديد هو معيار موقع الأقلية أو الأغلبية من السلطة السياسية، وهو معيار مهم وكاشف لبنية العلاقات الجنسوية التي تحكم عملية بناء النظام السياسي، بما يعكسه من أفكار وسياسات تجاه قضايا وفئات ومجموعات محددة سواء كانت حركات اجتماعية فاعلة أو مهمشة في المشهد السياسي/ الاجتماعي. وإذا تمعنا في حال السياسة العربية سنجد أنها إما سياسة أكثريات تنفي الأقليات وفي بعض الأحيان تقمعها . أو هي في بعض الأحيان الأخرى سياسة أقليات تنفي الأكثريات وتقمعها . وفي كلا الحالين ، فإنّ المشهد السياسي هو مشهد فئة غالبة تستأثر بكل شيء وفئة مغلوبة تكافح من أجل أبسط الأشياء. ولو مررنا بشكلٍ سريع على التاريخ السياسي العربي سنجد أنّ الرجال كانوا هم دائماً الفئة الغالبة بالمعنيين العددي والنوعي. وكان دائماً المنطق السائد في بلادنا العربية يرى أنّ للأكثرية حقاَ خاصاً يتجاوز حقوق الأقلية باسم الدين أو العرق أو المال أو أي سبب آخر، ولأنّ المجتمعات العربية عامة هي مجتمعات ذكورية فقد كانت النساء دائماً أقلية بكل المعاني قديماً وحديثاً ولا سبيل إلى تجاوز ذلك إلاّ بتبني فكرة الدولة المدنية الحديثة التي تعلي من شأن العلاقات القانونية وليس العشائرية وتعزز من سيادة القانون وتحفظ الكرامة لجميع مواطنيها.
يتضح لنا مما تقدم أنّ هناك معيارين لتوصيف وتعريف الأقليات، الأول معيار ديناميكي متغير، يتعلق بالحقوق والمساواة والمشاركة وهي أركان المواطنة، وبناء عليه يمكن معرفة ما إذا كان هناك انتقاص لحقوق المواطنة في أحد أركانها أو في جميعها، لجماعة ما في مجتمع ما، و بموجب هذا المعيار فإنّ فئات متعددة يمكن إدخالها ضمن نطاق الأقليات.
وعلى الرغم من أن المعيار لا يتعلق بالعدد وإنما بوضعية الحقوق، فقد تكون الجماعة الأقل عدداً هي المسيطرة كما كان الحال في سيطرة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا سابقاً، وسيطرة أقلية مذهبية أو دينية في بعض البلدان العربية..
في حين يتميز المعيار الثاني بأنه ثابت ويتعلق بالتمايز الظاهر لجماعة ما تشكل أقلية عددية، سواء كان هذا التمايز في العرق أو الدين أو اللغة أو الشكل واللون أو الثقافة.
مما لا شك فيه أنّ ثمة صعوبة في إيجاد تعريف جامع مانع للأقليات، ولكن هناك مجموعة من المعايير اتفق المجتمع الدولي عليها في تعريف الأقلية، وهي أعدادها وعدم هيمنتها ومواقفها الفردية، وعلاقة الأقليات بالاضطهاد والتهميش وهنا نشير إلى أن مفهوم التهميش يتسع ليضم في ثناياه فئات متعددة، فالشعب العربي كله يكاد يعيش حالات ملموسة من التهميش والاستلاب فيما تنعم شرائح محدودة جداً بمقدّرات الدولة وهي الشرائح التي تشكل على نحو عام قاعدة النظام السياسي، وهي بهذا المعنى أكثرية نوعية بفعل الهيمنة التي تملكها وتمارسها، على الرغم من كونها أقلية عددية، وبالتالي تصبح كل جماعة غير مهيمنة هي أقلية، وسواء اعتمدنا مقياس الأقلية العددية أو مقياس التهميش، فإننا يمكن أن نشتق عدداً لا نهائياً من الأقليات عملياً من أية مجموعة تعتقد بأنّ لديها قضايا مشتركة تميزها عن غيرها. فالطلاب بهذا المعنى أقلية، وكذلك المتقاعدين… ومن يزاولون أية مهنة من المهن يبقون أقلية في المجتمع، وكذلك يعتبر المعاقون حركياً أو ذهنياً، وهناك أقليات اقتصادية مثل العاطلين عن العمل أو فقراء العمال ، ناهيك عن الأقليات العرقية أو الدينية، وغيرها من الجماعات الأخرى.
الإشكالية والحلول
ما يجب تأكيده هنا هو احترام حقوق الإنسان والحريات العامة وعلى رأسها المساواة في الكرامة والمواطنة وفي التمتع بالحقوق كافة، مما يشكل المدخل السليم للتعامل مع المشكلات الناتجة عن شعور بعض الجماعات القومية أو الدينية أو الثقافية بالتهميش، وبكونها أقلية في عالمنا العربي والسعي إلى معالجتها وحلها في ظل الأسس والمعايير والمفاهيم الديموقراطية التي يمكن أن تسود في كل مستويات الدولة الديمقراطية الحديثة وتطبيق فلسفتها المدنية الداعية إلى الانحياز بقوة إلى الإنسان – بغض النظر عن أية تمايزات أخرى- ودعمه في شتى مجالات الحياة.
إضاءات المقال:
1- نبيل الصالح ما هي المواطنة، مؤسسة مواطن، رام الله، الطبعة الأولى 1994؛
2- الموسوعة الأمريكية
3- كتابات د. نيفين مسعد

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق