ازمة حقيقية ام صراع بالوكالة…بقلم الخبير في شؤون المياه صفية النجار

2020-11-06T23:19:22+02:00
فيسبوكيات
6 نوفمبر 2020آخر تحديث : الجمعة 6 نوفمبر 2020 - 11:19 مساءً
ازمة حقيقية ام صراع بالوكالة…بقلم الخبير في شؤون المياه صفية النجار

صفية النجار

مرة أخرى تعود أزمة مبادرة حوض النيل لى الواجهة إذ انفض الاجتماع الاستثنائي لوزراء الري في دول الحوض والذي عقد في نيروبي يومي الساس والعشرين والسابع والعشرين من شهر يونية المنصرم و لم يسفر عن أي تقدم ،بمعنى استمرار تعنت فريق المنابع وتصلب موقفه ازاء الحقوق التاريخية لكل من مصر والسوان في مياه نهر النيل…

وبالرغم من أننا مطمئنون إلى سلامة الموقف القانوني لكل من مصر والسودان والذي يحفظ للبلدين حقوقهما
التاريخية المكتسبة في مياه نهر النيل على قاعدة الإستخدام العادل والمنصف وعدم التسبب بالضرر لبقية دول الحوض ، وبالرغم من ضعف حجة فريق المنابع التي تستند إليها في تبرير موقفها شبه الاستعدائي ضد مصر والسودان بإصرارها على توقيع الإتفاق الإطاري لمبادرة حوض النيل على الرغم من معارضة البلدين ، نقول بالرغم من ضعف تلك الحجة قانونيا وعرفيا والمتمثل في كون الإتفاقات والمعاهدات السابقة قد أبرمت في ظل الإستعمار وهو مايناقض الإتفاقات الدولية الموقعة بالخصوص والتي ثبتت مبدأ احترام الحقوق التاريخية المكتسبة للشعوب في مياه الأنهار الدولية حفاظا على استقرار تلك الدول وبالتالي حفظ السلم الإقليمي في منطقة الحوض ، ومحاولة إلغاء المعاهدات الدولية السابقة باطلة بقوة القانون الدولي ،كما اكدت عليه معاهدة فيينا الخاصة بتوارث الدول للمعاهدات الدولية باستثناء تلك التي تلتزم بإقامة قواعد عسكرية اجنبية في الاقليم تكون الدولة السلف قد تعهدت بها .

بالرغم من تلك المعطيات وغيرها ،إلاّ أننا يجب أن ننطلق في تفسيرنا لموقف فريق المنابع من قاعدة المصالح المشتركة العليا لدول الحوض ،وهل هناك مصلحة أهم او اعلى من مياه النيل بالنسبة لمصر والسودان ؟ ملتزمين أقصى درجات ضبط النفس حيال هذا الخروج الصارخ على مباديء وعلاقات حسن الجوار والذي جاء مغرقا في فجاجته بتوقيع خمس من دول فريق المنابع على الإتفاق وذلك بالرغم من علم بل ويقين تلك الدول المسبق من أن النقطة محل الخلاف في الإتفاق هي خط أحمر لايملك كائن من كان تجاوزه لافي مصر ولا في السودان .

الموقف خطير ، وارجاء الافتراضات الأخرى لايلغيها ولايمنعنا من دراستها وتتبع آثارها ،والسؤال الذي يتوجب علينا االبحث عن اجابة له هو هل المحرك لموقف فريق المنابع هو الاحتياجات المائية لبلدانهم فقط؟ ام ان هناك محرك آخر من خارج حدود الحوض يريد لتلك الدول أن تخوض صراعا بالوكالة مقابل خبرات واموال واسلحة ؟ هل يكفي أن نتسائل لماذا لاتوجه جهود فريق المنابع إلى البنود الفنية في الإتفاق لتعميقها وتطويرها والبناء عليها وصولا إلى استثمار / والتعاون في استثمار ماأمكن من فواقد نهر النيل من المنبع الى المصب بدلا من هذا الاصرار المريب على ملاحقة الحصة المصرية السودانية من مياه النهر ؟ علما بان مجموع مايتم استخدامه من مياه النهر في بلدان الحوض مجتمعة لايتعدى 8% من من موارده.

إننا مالم نقف على الأسباب الحقيقية لموقف فريق المنابع فسيكون من الصعب التعامل مع هذه الأزمة على أسس موضوعية تقودنا إلى الطريق الصحيح للخروج من أزمة فصلها الأول لم يكن لصالحنا ، وفي هذا السياق ومنذ بروز تلك الأزمة تعالت أصوات تنحي باللائمة على العرب وفي مقدمتهم مصر لابتعادهم عن الملعب الإفريقي وبخاصة فى منطقة حوض النيل وما إلى ذلك من التصريحات والتحليلات التي تخلص إلى أنه كان ينبغي على مصر أن تولي اهتماما أكبر لبعدها الأفريقي وذلك بخلق مصالح لها وإقامة مشروعات وتمويل أنشطة اقتصادية في منطقة المنابع ومما يدهش له ان هناك من بين هذه الأصوات أصوات حكومية وحزبيةانجرت كليا في هذا الإتجاه الذي لانرفضه ولكن نطالب بدراسته بروية في ضوء المحاذير بل والألغام التي تزخر بها منطقة المنابع وعلى رأس تلك المحاذير ما لايخفى على أي متابع للشأن الإفريقي ، كون المنطقة محل النقاش هي منطقة توتر دائم وصراعات عرقية متفجرة منها ماهو داخلي والذي تخوضه قبائل عرقية متناحرة ضد بعضها البعض الى جانب حركات تمرد داخل حدود الدولة الواحدة ،وليس أدل على ذلك من توقف العمل في قناة جونجلي، بين مصر والسودان بسبب الحرب الأهلية الدائرة في جنوب السودان خشية تعرض المشروع للتدمير ،وكان من المخطط لهذا المشروع الحيوي ان يوفر لدى انتهاءه مايقارب 11 مليار متر مكعب من المياه لكل من مصر والسودان ،منها أربعة مليارات كانت متوقعة من إتمام مرحلته الأولى .اما عن الصراعات الخارجية التي تتجاوز حدود الدولة إلى حدود الدول المجاورة فحدّث ولاحرج، بدءا من الصراع الدموي الدائر بين قبيلتي الهوتو والتوتسي في كل من رواندا وبوروندي والكونغو حيث اللاجئين من القبيلتين إلى الكونغو انطلاقا من رواندا بوروندي ومشاركة هؤلاء في القتال إلى جانب متمردين محليين في الكونغو ضد الدولة نفسها ، وانتهاءا بتدخل اوغندا في أراضي الكونغو لملاحقة مواطنيها المتمردين والذين يشنون هجماتهم على الدولة انطلاقا من الأراضي الكونغولية ومرورا بالتدخل الإثيوبي في كل من السودان والصومال ،وبعبارة أخرى فهناك اشتباك واقتتال على مستويين اولهما قبلي عرقي ومتمردين على الحكم في إطار الدولة الواحدة ،وثانيهما صراع على الحدود وإيواء متمردين من دول مجاورة بين الدولة وجيرانها ،
وهنا لابد من اختصاص إثيوبيا باهتمام اكبر ، فهي قائدة ومحركة فريق التمرد على الحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه نهر النيل ،كما أن إثيوبيا هي صاحبة الموقف الواضح للعيان في تبني نظرية السيادة المطلقة للدولة على الجزء من النهر الذي يمر في أراضيها ،وهو النقيض تماما لمبدأ الاستخدام العادل والمنصف لمياه النهر على قاعدة عدم الإضرار ببقية دول الحوض وهذان المبدآن هما المرتكز الأساسي لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية لعام 1997 وهنا تجدر الإشارة إلى ان تبني إثيوبيا لنظرية السيادة المطلقةوالاحتكام إلى تلك النظرية يعطي الدولة المعنية الحق في بيع المياه من النهر الذي يجري في اراضيها ،وهو ماصرّح به مسئولون في بعض دول فريق المنابع اكدوا فيه على حقهم في استثمار مياههم كما ان للعرب الحق في استثمار النفط في أراضيهم،وبنظرة سريعة للبعد الثالث في المسالة ،تظهر في الإطار “إسرائيل” التي لاترى مبررا لرفض مصر إمدادها بمياه نهر النيل ،فإذا مانجح فريق المنابع في تثبيت أو ارتكاب تلك السابقة ولو على الورق كبند في اتفاق ولو جزئي ،فإن ذلك يسقط حجة مصر في امتناعها عن بيع المياه ل”إسرائيل”ـ من وجهة النظر القاصرة بالطبع ـ الذي تستند فيه إلى التزامها بالمعاهدات والاتفاقات الدولية والإقليمية الموقعة ومااستقر عليه القانون الدولي والعرفي من حظر التصرف في مياه النهر خارج او داخل حدود الحوض دون توافق دول الحوض ، اضف إلى ذلك أن لإثيوبيا مواقف تاريخية من مصالح مصر في نهر النيل ،لمسنا ذلك في رفضها للدور الرقابي لمصر على طول مجرى النهر كدولة مصب وفقا لاتفاقات مبرمة ،وعرفناه من موقفها الثابت من رفض الإنضمام لأي تجمع لدول الحوض مثل تجمع الأندوجو والتيكونيل كعضو دائم مما يذكرنا بموقف “اسرائيل ” من اتفاقية حظر الإنتشار النووي …،كما تجلى ذلك واضحا في معارضتها الشديدة لمشروع بناء السد العالي في مصر .

نحاول جاهدين ألاّ نقع أسرى لنظرية المؤامرة ،لكننا أحيانا لانرفضها،فتعالوا نبحث عن دور لنا في الصراعات الدائرة في منطقة حوض النيل ،مادام البعض يرى في تواجدنا هناك حلا للأزمة ،ولاندري بالمناسبة كيف وماهو شكل التواجد الذي يتوجب على كل من العراق وسوريا تحقيقه في منابع دجلة والفرات لخطب ود تركيا للتوقف عن التلويح بورقة المياه ضد الدولتين بالحديث تارة وتارة اخرى بالعمل الفعلي على الأرض والتاريخ القريب خير شاهد .، فهل لدينا الإمكانية بل والرغبة والمصلحة في توريد الأسلحة والخبرات الفنية والعسكرية للفرق المتناحرة في منطقة البحيرات العظمى، وهل يناسبنا ان ندعم من يؤيدون التمرد في جنوب السودان ويغذون الحرب الأهلية الدائرة في بلد عربي شقيق يعاني اهله الأمرين من ويلات تلك الحرب الطويلة الظالمة ،ومن يدعمونها يسعون في نهاية المطاف إلى تقسيم السودان وفصل جنوبه عن شماله،وفي هذا السياق فإن جنوب السودان يحتضن حوض نهر الجبل احد شرايين الحياة لنهر النيل ،واخيرا هل لو كانت لدينا التمويلات اللازمة والاستثمارات المتوفرة كان سيتجه تفكيرنا إلى مشروعات مائية تفضي في حال انشاءها إلى خصم مايربو على خمس حصة مصر من مياه النهر وهي نسبة 20% التي قدرها المختصون من واقع دراسات الجدوى لمشروعات مائية أعلن عن نية كل من إثيوبيا وأوغندا القيام بها بمساعدات وخبرات فنية “اسرائيلية” حال توفر الظروف والتمويلات اللازمة لهل،وبغض النظر عن المعوقات الفنية والمالية لتلك المشروعات الا ان الاعلان عنها بحد ذاته يستحق الاهتمام ،…

لسنا ممن يموتون دفاعا عن نظرية المؤامرة ،لكننا نجرّ قصرا الى تبنيها ،ولم لا؟ وماوجه المنطق في اغفال حقائق قائمة ونابضة على الأرض لصالح اوهام مبنية على حسن النوايا ، التي اطاحت بدول وممالك وقسمت اوطان والتي لامكان لها في عالم السياسة القائم على المصالح

ختاما ،علينا ان نحول دون ان تصبح ورقة نهر النيل ضمن الأوراق الانتخابية لبعض دول الحوض،وهذا مما يؤسف له، ومن غير المعقول ولا المقبول ان يمسي شريان الحياة لمصر والسودان جوكر في ايدي مقامرين ومراهقين سياسيا لايدركون خطورة مايعدون به ناخبيهم،ونظرة سريعة على صحافة دول المنابع في الأسابيع السابقة واللاحقة لتوقيع اتفاق عنتيبي سيء السمعة كافية لقراءة الطرح الاستعدائي والاستعلائي للجهات التي تقف وراء كل تلك المهزلة إلى حد قرع طبول الحرب.

نحن مع التنمية الاقتصادية الشاملة في دول الحوض،وندرك ان عصب تلك التنمية هو المياه شانها في ذلك شان غيرها من بلاد الله،وعلينا ان ندعم ونشارك ونتعاون مع الجميع لتحقيق الاستخدام الأمثل لمياه النهر في حدود امكاناتنا ،وبعيدا عن كونه ورقة ضغط علينا ،فشتان مابين العمل تقوم به وانت مدرك لأهميته وضرورته ومسئوليتك تجاهه،وبين ان تقوم به لأن في امتناعك عن اداءه هلاك لك او على اقل تقدير تهديد لمصالحك.

تساؤلنا المشروع الأخير…هل هناك من فشل في الوصول إلى مياه نهر النيل عند المصب فذهب للضغط علينا عند المنابع؟ يثور السؤال ويلح،من يتاجر بآلام ودماء ملايين الأفارقة، من يلعب في أعالي النهر؟

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق